في الوقت الذي يخطو فيه مشروع قانون إسباني يقترح تسهيل حصول الصحراويين المولودين في الصحراء خلال فترة الإدارة الإسبانية على الجنسية الإسبانية نحو مرحلة جديدة داخل البرلمان، يبرز في المقابل ملف آخر يمس شريحة من سكان الأقاليم الجنوبية، ويتعلق بصعوبات الحصول على التأشيرة الإسبانية، حتى بالنسبة إلى أصحاب الملفات التي يعتبرونها مستوفية للشروط.
المفارقة هنا لافتة؛ فبينما تتجه المؤسسة التشريعية الإسبانية إلى مناقشة مسار استثنائي يمنح الجنسية لفئة من الصحراويين، يجد بعض أبناء الأقاليم الجنوبية أنفسهم أمام مسار شاق للحصول على التأشيرة، يبدأ في كثير من الحالات بقطع مسافات طويلة نحو مراكز استقبال الملفات في أكادير أو الرباط، وينتهي أحياناً برفض الطلب، رغم اعتقاد أصحابه أن ملفاتهم مستوفية للشروط المطلوبة.
مشروع القانون رقم 122/000072، الذي صادقت لجنة العدل بمجلس النواب الإسباني على تقريره في 23 يوليوز الماضي، يقترح مسطرة استثنائية لفائدة المولودين في الإقليم قبل 29 شتنبر 1977، دون اشتراط الإقامة القانونية في إسبانيا، إلى جانب تسهيلات لفائدة الأبناء المباشرين للمستفيدين.
كما يقترح النص تعديل المادة 22 من القانون المدني الإسباني، بما يسمح للمعنيين بالاستفادة من مسار مختصر للحصول على الجنسية عن طريق الإقامة، من خلال خفض المدة المطلوبة إلى سنتين بدل عشر سنوات.
لكن، ورغم أهمية هذه الخطوة، فإن المشروع لم يتحول بعد إلى قانون نافذ، ولا تزال أمامه مراحل برلمانية قبل دخوله المحتمل حيز التنفيذ.
ومن هنا تبرز قضية التأشيرة باعتبارها ملفاً منفصلاً، لكنه يكتسب أهمية إضافية في ظل هذه التطورات.
فـBLS International، التي تتولى استقبال طلبات التأشيرة الإسبانية في المغرب، ليست الجهة التي تقرر منح التأشيرة أو رفضها، إذ يبقى القرار النهائي من اختصاص السلطات القنصلية الإسبانية. غير أن الشركة توجد في قلب العملية الإدارية المتعلقة باستقبال الملفات والمواعيد والوثائق.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يمكن أن تكون المرحلة المقبلة مناسبة للتفكير في حلول أكثر مراعاة للبعد الجغرافي لسكان الأقاليم الجنوبية، وفي الوقت نفسه ضمان معاملة عادلة للملفات المستوفية للشروط؟
فالمسألة، بالنسبة إلى المواطن القادم من الداخلة أو العيون، لا تتعلق فقط بالحصول على موعد أو إيداع الوثائق، وإنما أيضاً بانتظار قرار قنصلي قد يكون حاسماً بالنسبة إلى سفره. وفي حال كان الملف مستوفياً فعلاً لجميع الشروط، فإن الطموح الطبيعي لصاحبه هو أن تتم دراسته بموضوعية، وأن تمنح التأشيرة عندما لا يوجد مانع قانوني أو قنصلي يحول دون ذلك، لا أن يتحول البعد الجغرافي أو صعوبة الولوج إلى المراكز إلى عبء إضافي.
ومن هنا، فإن أي نقاش حول تسهيل التأشيرة لا ينبغي أن يفهم باعتباره مطالبة بمنحها تلقائياً، وإنما باعتباره دعوة إلى ضمان دراسة الملفات بشكل منصف، وقبول الطلبات التي تستوفي الشروط والمعايير المعتمدة، وتفادي الرفض غير المبرر متى لم يوجد سبب قانوني أو قنصلي واضح.
وهذه النقطة تحديداً تستحق أن تكون في صلب أي حوار مستقبلي بين الجهات القنصلية الإسبانية وسكان الأقاليم الجنوبية.
فالطالب القادم من الداخلة أو العيون قد يتحمل مصاريف السفر والإقامة والتنقل إلى أكادير أو الرباط، وربما يضطر إلى تكرار الرحلة أكثر من مرة. وإذا انتهى الأمر برفض ملف يراه مستوفياً للشروط، فإن الإشكال يصبح مضاعفاً: مشقة الوصول إلى الخدمة من جهة، وعدم وضوح أسباب النتيجة بالنسبة إلى صاحب الطلب من جهة أخرى.
لذلك، قد يكون من المفيد التفكير في آليات عملية تقرب الخدمة من سكان الأقاليم الجنوبية، من قبيل تنظيم أيام استقبال دورية، أو اعتماد ترتيبات متنقلة، أو إيجاد حلول إدارية أخرى تخفف عبء التنقل، دون المساس بصلاحيات القنصلية أو بمعايير دراسة طلبات التأشيرة.
وفي الوقت نفسه، فإن المسؤولية عن القرار النهائي لا تقع على BLS، ولذلك فإن أي حديث عن قبول التأشيرات وعدم رفض الملفات المستوفية للشروط يجب أن يوجه أساساً إلى الجهة القنصلية صاحبة الاختصاص، مع طرح دور BLS في تسهيل الولوج إلى الخدمة واستقبال الملفات بشكل سلس وشفاف.
والسؤال هنا لا يوجه إلى BLS وحدها، بل إلى منظومة التأشيرة الإسبانية بالمغرب ككل: هل يمكن الانتقال من مجرد استقبال الملفات إلى اعتماد مقاربة أكثر مراعاة للخصوصية الجغرافية للأقاليم الجنوبية، مع ضمان أن يحصل كل ملف مستوفٍ للشروط على فرصة حقيقية للقبول، وألا يكون الرفض إلا بناءً على أسباب موضوعية ومبررة وفق القواعد المعمول بها؟
إن المسافة بين الداخلة وأكادير أو الرباط ليست تفصيلاً بسيطاً بالنسبة إلى طالب التأشيرة. ولهذا فإن تقريب الخدمة، وتحسين المواعيد، وتسريع دراسة الملفات، وضمان قبول الملفات المستوفية للشروط متى لم يوجد مانع قانوني، كلها خطوات يمكن أن تخفف كثيراً من المعاناة.
وفي هذا السياق تبرز فرضية تستحق الطرح: هل تتفطن BLS والقنصلية الإسبانية إلى خصوصية سكان الأقاليم الجنوبية، وتعملان على ابتكار آلية تسهل عليهم الولوج إلى خدمة التأشيرة، بالتوازي مع ضمان عدم رفض الملفات المستوفية للشروط دون مبرر واضح؟
قد لا تكون الإجابة مرتبطة مباشرة بمشروع قانون الجنسية، فلكل مسار قواعده القانونية، لكن التزامن بين التطورين يفتح نقاشاً أوسع حول العلاقة بين إسبانيا وسكان الأقاليم الجنوبية، ليس فقط من زاوية الماضي التاريخي، وإنما أيضاً من زاوية الخدمات والإجراءات التي يعيشها المواطن اليوم.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: إذا كان البرلمان الإسباني يتجه نحو تسهيل الطريق أمام فئة من الصحراويين للحصول على الجنسية الإسبانية، فهل تتحرك BLS والقنصلية الإسبانية بالموازاة مع ذلك لتخفيف معاناة طالبي الفيزا في الأقاليم الجنوبية، وتسهيل وصولهم إلى الخدمة، وقبول الملفات المستوفية للشروط، وتجنب رفضها دون أسباب موضوعية، خصوصاً في ظل مشقة السفر المتكرر إلى أكادير أو الرباط؟
سؤال ينتظر جواباً عملياً من الجهات المعنية، ليس لمنح امتياز خارج القانون، وإنما لضمان أن تكون المسافة الجغرافية أقل تأثيراً على حق المواطن في الولوج إلى الخدمة، وأن تكون الملفات المستوفية للشروط أمام مسار واضح وعادل نحو الحصول على التأشيرة.













