الداخلة | الساحل بريس
مع انطلاق مرحلة تنزيل الهيكلة الحكومية الجديدة، تبرز إلى الواجهة مجموعة من التكاليف الإدارية واللوجستية التي قد ترافق التغييرات التي تطال أسماء القطاعات الوزارية واختصاصاتها، وفي مقدمتها تحديث واجهات المؤسسات العمومية واللوحات التعريفية والإشارات التوجيهية بمختلف الإدارات والمصالح التابعة لها عبر التراب الوطني.
وتأتي التغييرات التي عرفتها بعض القطاعات الحكومية لتعيد طرح هذا الموضوع، ومن أبرز أمثلتها تغيير تسمية وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة إلى وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، وهو تعديل لا يقتصر أثره على الوثائق الرسمية والمراسلات الإدارية، بل قد يمتد إلى عدد كبير من الواجهات واللوحات التي تحمل التسمية السابقة، سواء بالمصالح المركزية أو المديريات الإقليمية والمؤسسات التابعة للقطاع.
ولا شك أن ملاءمة الهوية البصرية للمؤسسات مع التسميات الحكومية الجديدة تظل إجراء إداريا مفهوما، غير أن الإشكال الحقيقي يرتبط بالكلفة المالية التي قد تترتب عن هذه العملية، خاصة عندما يتعلق الأمر بشبكة واسعة من المؤسسات والمرافق العمومية التي قد تحتاج إلى تحديث لافتاتها ووسائل تعريفها.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل آخر لا يقل أهمية: لماذا لا تتجه الإدارات العمومية إلى اعتماد اللوحات الرقمية القابلة لتحديث محتوياتها إلكترونيا، عوض الاستمرار في استعمال اللوحات التقليدية التي يتطلب تغييرها كلما تغير اسم وزارة أو مؤسسة، عمليات جديدة من التصنيع والتركيب والتخلص من اللوحات السابقة؟
إن اعتماد شاشات أو لوحات رقمية قابلة للتحديث عن بُعد، أو أنظمة تعريف إلكترونية مناسبة لطبيعة كل مؤسسة، قد يشكل على المدى البعيد بديلا عمليا يحد من تكرار نفقات الاستبدال، ويسمح بتعديل التسميات والبيانات الإدارية بسرعة أكبر، دون الحاجة في كل مرة إلى تغيير اللوحات بالكامل. كما يمكن أن يتيح هذا الخيار تحديث المعلومات التوجيهية والإدارية وفق الحاجة، مع مراعاة متطلبات الصيانة واستهلاك الطاقة والكلفة الأولية للتجهيز.
وبطبيعة الحال، فإن تعميم هذا الحل على جميع المؤسسات لا يمكن أن يتم دون دراسة تقنية ومالية تقارن بين كلفة اقتناء اللوحات الرقمية وصيانتها، وبين النفقات المتكررة المرتبطة بتغيير اللوحات التقليدية. وقد يكون الأنسب اعتماد هذا النظام تدريجيا في المقرات المركزية والواجهات الرئيسية والمرافق التي تعرف تغييرات متكررة، مع الإبقاء على الحلول التقليدية حيث تكون أكثر جدوى.
وفي ظل التحديات المرتبطة بترشيد النفقات العمومية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، يبرز سؤال مشروع حول حجم الاعتمادات المالية التي ستخصص لهذه العملية، والجهات التي ستتولى تنفيذها، وما إذا كانت القطاعات الحكومية قد أعدت تقييما مسبقا للكلفة الإجمالية المترتبة عن تغيير التسميات.
إن المسألة لا تتعلق بالاعتراض على التغييرات التنظيمية أو مواكبة التطور المؤسساتي، بقدر ما تتعلق بمدى قدرة الإدارة على تدبير آثارها المالية بعقلانية ونجاعة، من خلال حلول مستدامة تستشرف المستقبل بدل الاكتفاء بمعالجة كل تغيير إداري على حدة.
فإذا كان تغيير أسماء الوزارات أمرا قد تفرضه التحولات الحكومية والتنظيمية، فإن تجديد اللوحات والواجهات في كل مرة ليس بالضرورة الخيار الوحيد. وقد يكون الاستثمار في حلول رقمية مرنة خطوة نحو إدارة أكثر حداثة، وأقل هدرا للموارد، وأكثر انسجاما مع متطلبات الحكامة الجيدة.
ويبقى السؤال المطروح: كم ستكلف عملية تغيير واجهات المؤسسات العمومية واللوحات التعريفية بعد الهيكلة الحكومية الجديدة؟ ولماذا لا يُفتح نقاش جدي حول اعتماد اللوحات الرقمية القابلة للتحديث الإلكتروني، بما يحد من تكرار النفقات ويجعل ترشيد المال العام ممارسة عملية لا مجرد شعار؟













