في أول اختبار سياسي أمام البرلمان، وضعت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري محاربة الفساد وتعزيز النزاهة في تدبير الشأن العام ضمن أبرز عناوين المرحلة الحكومية المقبلة، معلنة عزم حكومتها تجريم الإثراء غير المشروع، والتصدي لتضارب المصالح، وتعزيز آليات التصريح الإجباري بالممتلكات، في توجه يضع استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات ضمن الرهانات الأساسية للولاية الحكومية الجديدة.
وخلال تقديم البرنامج الحكومي أمام مجلس النواب، اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، كشفت المنصوري عن الخطوط العريضة لتوجهات حكومتها خلال الولاية الممتدة من 2027 إلى 2031، واضعة تحسين القدرة الشرائية للمغاربة، والارتقاء بجودة الخدمات الصحية والتعليمية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتحفيز الاستثمار وخلق فرص الشغل، ضمن أبرز الأولويات التي تعتزم الحكومة الاشتغال عليها خلال السنوات المقبلة.
ويأتي هذا البرنامج في سياق تتزايد فيه انتظارات المواطنين بشأن نجاعة السياسات العمومية وقدرتها على الاستجابة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل الانتقال من إعلان الالتزامات إلى تنفيذ إجراءات ملموسة أحد أبرز الاختبارات التي تواجه الحكومة الجديدة.
محاربة الفساد والريع في صدارة الالتزامات
شكلت مكافحة الفساد أحد أبرز المحاور التي حضرت في عرض رئيسة الحكومة، التي أكدت أن استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات تمر عبر محاربة فعلية للفساد والريع، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي هذا السياق، أعلنت المنصوري عزم حكومتها العمل على تجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح، وتعزيز منظومة التصريح الإجباري بالممتلكات، استنادا إلى المقتضيات الدستورية، ولا سيما الفصل 36 من الدستور، الذي يؤطر مكافحة الفساد واستغلال النفوذ وتنازع المصالح في الحياة العامة.
وتضع هذه الالتزامات الحكومة أمام مسؤولية الانتقال إلى إجراءات تشريعية ومؤسساتية واضحة، من شأنها تقوية آليات المراقبة والمساءلة، والحد من استغلال المسؤوليات العمومية لتحقيق مصالح خاصة.
كما يظل نجاح هذا التوجه مرتبطا بمدى قدرة الحكومة على تفعيل قواعد الشفافية، وضمان تطبيق القانون، وتعزيز استقلالية وفعالية آليات الرقابة، بما يجعل محاربة الفساد ممارسة مؤسساتية مستمرة، لا مجرد التزام معلن ضمن برنامج سياسي.
القدرة الشرائية.. الاختبار اليومي للحكومة
في الشق الاجتماعي، وضعت المنصوري تحسين القدرة الشرائية للمغاربة ضمن الأولويات الأساسية للبرنامج الحكومي، في ظل التحديات التي تواجه الأسر المغربية في تدبير نفقاتها اليومية، وما يرتبط بذلك من انتظارات بشأن الدخل والتشغيل وتكاليف المعيشة.
وأكدت رئيسة الحكومة أن نتائج الانتخابات الأخيرة عكست، وفق قراءتها، تطلعات المواطنين إلى إجراءات أكثر فعالية لتحسين أوضاعهم المعيشية، وضمان استفادة أوسع من ثمار التنمية.
ولا يتعلق هذا الرهان بالمؤشرات الاقتصادية العامة وحدها، بل بمدى انعكاس السياسات الحكومية على الحياة اليومية للأسر، من خلال تعزيز فرص الشغل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتطوير آليات الحماية الاجتماعية، وتخفيف الأعباء عن الفئات الأكثر هشاشة.
ويتمثل التحدي المطروح أمام الحكومة في تحويل هذه الأولوية إلى تدابير عملية قابلة للقياس، تتيح تقييم أثر القرارات المتخذة على مستوى معيشة المواطنين، ومدى قدرتها على الاستجابة للفئات التي تواجه ضغوطا اقتصادية واجتماعية متزايدة.
الصحة والتعليم.. من الإصلاح المعلن إلى جودة الخدمات
وفي ما يتعلق بالخدمات العمومية، شددت المنصوري على ضرورة الارتقاء بقطاعي الصحة والتعليم، باعتبارهما من الركائز الأساسية لتحقيق التنمية الاجتماعية وتعزيز تكافؤ الفرص بين المواطنين.
وأقرت رئيسة الحكومة بأن توسيع نطاق التغطية الصحية، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتحقيق الإصلاح المنشود، ما لم يواكبه تحسن ملموس في جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وتوفير شروط الولوج إلى العلاج في مختلف المناطق.
ويعني هذا التوجه أن المرحلة المقبلة ستتطلب معالجة الاختلالات التي تحد من فعالية المنظومة الصحية، وتحسين أداء المؤسسات الاستشفائية، وتعزيز قدرة القطاع على الاستجابة لحاجيات المواطنين، مع مراعاة الفوارق المجالية في توزيع الخدمات والتجهيزات والموارد البشرية.
أما في قطاع التعليم، فقد أكدت المنصوري أهمية استحضار حصيلة الإصلاحات السابقة وتقييم نتائجها، بهدف تحديد مكامن التعثر والعمل على معالجتها، بما يضمن تحسين جودة التعلمات وتطوير أداء المنظومة التعليمية.
وتبقى فعالية هذه الإصلاحات رهينة بمدى ترجمتها إلى نتائج ملموسة، سواء من حيث جودة الخدمات الصحية والتعليمية أو من حيث تقليص التفاوت في الاستفادة منها بين مختلف الفئات والمناطق.
الفوارق الاجتماعية والمجالية.. تحدي توزيع ثمار التنمية
وفي تشخيصها للوضع الوطني، أقرت رئيسة الحكومة بأن المغرب، رغم ما راكمه من إنجازات ومجهودات تنموية، لا يزال يواجه تحديا يتمثل في عدم استفادة جميع الفئات الاجتماعية والمجالات الترابية بالقدر نفسه من ثمار التنمية.
ويضع هذا التشخيص العدالة المجالية في صلب رهانات المرحلة المقبلة، خصوصا في ما يتعلق بتوزيع الاستثمارات، وتحسين البنيات التحتية، وتوسيع الولوج إلى الخدمات الأساسية، وتعزيز فرص الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.
كما يفرض هذا التوجه اعتماد سياسات عمومية تراعي خصوصيات المناطق وحاجيات سكانها، وتربط المشاريع التنموية بأثرها المباشر على التشغيل والدخل وجودة الحياة.
وتتوقف ترجمة هذا الرهان إلى نتائج على قدرة الحكومة على تحقيق توزيع أكثر إنصافا للفرص والإمكانات، بما يحد من التفاوتات بين المجالات الترابية، ويجعل التنمية أكثر شمولا واستدامة.
الاستثمار وخلق فرص الشغل.. البحث عن نتائج ملموسة
اقتصاديا، وضعت المنصوري تصحيح الاختلالات المرتبطة بالاستثمار ضمن محاور البرنامج الحكومي، مؤكدة أهمية تحويل المؤهلات التي يتوفر عليها المغرب إلى نتائج ملموسة على مستوى الإنتاج والصادرات وإحداث مناصب الشغل.
وأبرزت أن السياق الدولي يتسم بتراجع الاستقرار وتزايد الضغوط المرتبطة بالأمن الغذائي والتغيرات المناخية، وهي عوامل تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الاقتصاد الوطني، وتفرض اعتماد مقاربات تستجيب للتحولات المتسارعة.
وفي المقابل، اعتبرت أن المؤهلات الاقتصادية للمملكة تتيح فرصا لتوسيع الاستثمارات وتعزيز الصادرات الوطنية، غير أن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج فعلية تنعكس على الاقتصاد وفرص التشغيل.
ويقتضي ذلك معالجة العراقيل التي تواجه الاستثمار، وتحسين مناخ الأعمال، وتعزيز قدرة المشاريع الاقتصادية على خلق فرص شغل مستدامة، مع الحرص على ألا تظل نتائج النمو محصورة في قطاعات أو مناطق بعينها.
وبذلك، يصبح الاستثمار في التصور الحكومي وسيلة لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية متداخلة، تتجاوز استقطاب رؤوس الأموال إلى تعزيز الإنتاجية وتحسين الدخل وتوسيع قاعدة المستفيدين من التنمية.
مراجعة التجارب السابقة لتصحيح الاختلالات
وفي ما يتعلق بمنهجية إعداد البرنامج الحكومي، أوضحت المنصوري أن الحكومة استحضرت حصيلة التجارب السابقة، مع التركيز على تقييم الإصلاحات التي شملت قطاعات الصحة والتعليم والطاقة، بهدف الوقوف على ما تحقق ورصد مكامن التعثر التي تستدعي المعالجة.
ويعكس هذا التوجه أهمية تقييم السياسات العمومية قبل إطلاق إصلاحات جديدة، من خلال تحديد أسباب الصعوبات التي واجهت بعض الأوراش، ومدى تحقيقها للأهداف التي وضعت من أجلها.
كما يقوم البرنامج الحكومي على تقاطع الالتزامات الانتخابية للأحزاب المشكلة للأغلبية، في محاولة لتوحيد أولوياتها ضمن تصور حكومي مشترك للفترة الممتدة من 2027 إلى 2031.
غير أن نجاح هذا التصور سيظل مرتبطا بوضوح التدابير التنفيذية، وتحديد المسؤوليات، وتوفير الموارد اللازمة، واعتماد آليات تسمح بتتبع الإنجاز وقياس أثر السياسات المعتمدة.
البرلمان شريك في تنفيذ البرنامج الحكومي
وشددت رئيسة الحكومة على أن أعضاء الجهاز التنفيذي يدركون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، مؤكدة الالتزام بالإنصات إلى المواطنين والتواصل معهم بوضوح وصدق، والعمل على تحويل التعهدات السياسية إلى برامج عملية قابلة للتنفيذ.
كما ربطت نجاح هذه الالتزامات بالتعاون مع المؤسسة التشريعية، ولا سيما في ما يتعلق بممارسة اختصاصاتها التشريعية والرقابية، بما يساهم في مواكبة العمل الحكومي ومراقبة تنفيذ السياسات العمومية.
ويبرز هذا الجانب أهمية العلاقة بين الحكومة والبرلمان في تنزيل البرنامج، من خلال مناقشة التشريعات الضرورية للإصلاح، ومساءلة القطاعات الحكومية بشأن التزاماتها، وتقييم مدى تقدم الأوراش المعلنة.
الصحراء المغربية وفلسطين ضمن أولويات السياسة الخارجية
وعلى مستوى الثوابت الوطنية، أكدت المنصوري أن قضية الصحراء المغربية تظل ضمن الأولويات الأساسية للعمل الحكومي، مجددة عزم الحكومة مواصلة الدفاع عن مغربية الصحراء والوحدة الترابية للمملكة، ومواكبة التنمية بالأقاليم الجنوبية وتعزيز الدينامية التنموية التي تعرفها.
ويجمع هذا التوجه بين مواصلة الجهود الدبلوماسية للدفاع عن الوحدة الترابية، ودعم المسار التنموي بالأقاليم الجنوبية من خلال تعزيز الاستثمار ومواكبة المشاريع الرامية إلى تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للسكان.
وفي ما يتعلق بالسياسة الخارجية، جددت رئيسة الحكومة تمسكها بالقضية الفلسطينية، مؤكدة دعم حل الدولتين باعتباره أساسا للتوصل إلى تسوية عادلة ودائمة للنزاع.
خمس سنوات تحت اختبار النتائج
من خلال برنامجها الحكومي، وضعت فاطمة الزهراء المنصوري مجموعة من الملفات الثقيلة في صدارة أولويات المرحلة المقبلة، بدءا من محاربة الفساد والريع، مرورا بتحسين القدرة الشرائية وإصلاح الصحة والتعليم، وصولا إلى تحفيز الاستثمار وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
لكن التحدي الأساسي لن يرتبط فقط بتعدد الالتزامات أو اتساع مجالات التدخل، بل بمدى قدرة الحكومة على تحويل هذه التعهدات إلى قرارات وإجراءات ملموسة، يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.
وبين وعود النزاهة والمحاسبة، ورهانات تحسين المعيشة، وانتظارات إصلاح الخدمات العمومية، تدخل الحكومة الجديدة مرحلة تتطلب وضوحا في الأولويات، ونجاعة في التنفيذ، وشفافية في تقييم النتائج.
فخلال الولاية الممتدة من 2027 إلى 2031، لن يكون المعيار الحاسم هو ما تعلنه الحكومة من أهداف فحسب، بل ما ستتمكن من تحقيقه على أرض الواقع، ومدى نجاحها في جعل السياسات العمومية أكثر إنصافا وفعالية واستجابة لانتظارات المغاربة.













