أزمة سبتة تجر الكهرباء إلى واجهة الخلاف المغربي الإسباني

هيئة التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
أزمة سبتة تجر الكهرباء إلى واجهة الخلاف المغربي الإسباني

دخل الربط الكهربائي بين المغرب وإسبانيا على خط التوتر المرتبط بمدينة سبتة، بعدما أثارت صحيفة «إلموندو» الإسبانية جدلاً بشأن إمكانية توظيف هذه البنية التحتية المشتركة كورقة ضغط سياسي على الرباط، في طرح يفتح من جديد النقاش حول حدود توظيف المصالح الاقتصادية والاستراتيجية في إدارة الخلافات بين البلدين.

وركزت الصحيفة على نحو 29 كيلومتراً من الكابلات الممتدة تحت مياه مضيق جبل طارق، ووصفت الربط الكهربائي بأنه بمثابة «الحبل السري» الذي يصل المغرب بالمنظومة الكهربائية الأوروبية، بالنظر إلى دوره في نقل الطاقة وتعزيز استقرار الشبكة المغربية. وربط التقرير بين أهمية هذه البنية التحتية والتطورات الأخيرة المرتبطة بسبتة، متسائلاً عن إمكانية تحول إمدادات الطاقة إلى ورقة تستخدمها مدريد في إدارة خلافاتها مع الرباط.

ويمتد الربط الكهربائي بين منطقة طريفة الإسبانية وفرديوة المغربية، على عمق يصل إلى نحو 620 متراً، فيما تتجه الحصة الأكبر من الكهرباء المتبادلة عبره من إسبانيا نحو المغرب. وقد ساهم هذا الربط، خلال فترات معينة، في تغطية ما يقارب 20 في المائة من الطلب المحلي على الكهرباء، ما يعكس الأهمية التي اكتسبها ضمن منظومة الطاقة المغربية.

ولا تقتصر أهمية الخط على نقل الكهرباء، بل تشمل أيضاً ربط الشبكة المغربية بالنظام الكهربائي الأوروبي والمساهمة في استقرار تردداتها، فضلاً عن توفير إمكانية التدخل السريع عند حدوث أعطاب في وحدات الإنتاج أو تسجيل تغيرات مفاجئة في مستوى الطلب.

وفي هذا السياق، نقلت «إلموندو» عن الباحث الإسباني إغناسيو أورباسوس قوله إن مدريد لا ترتبط بعقود طويلة الأجل تلزمها باستمرار تصدير الكهرباء إلى المغرب، معتبراً أن وقف التدفقات من جانب واحد يظل ممكناً من الناحية النظرية. كما دعا إلى إدراج الطاقة ضمن ما وصفه بـ«استراتيجية الردع»، في موقف ربط فيه أزمة سبتة بما اعتبره «عملية في المنطقة الرمادية» نسبها إلى المغرب.

غير أن تحويل الربط الكهربائي إلى أداة ضغط لا يحظى بإجماع حتى داخل الأوساط التي استند إليها التقرير. فقد رفض وزير الصناعة الإسباني الأسبق لويس أتينثا استخدام الطاقة لهذا الغرض، محذراً من أن مثل هذا الخيار قد تكون له نتائج عكسية، من بينها دفع المغرب إلى تسريع مسار استقلاله الطاقي وتقليص اعتماده على إسبانيا.

وفي المقابل، لم يستبعد المدير السابق للمخابرات الإسبانية خورخي ديثكايار إمكانية اللجوء إلى ما وصفه بـ«سلاح الطاقة» إذا رأت مدريد نفسها مضطرة إلى ذلك، مع إقراره بأن التصعيد في هذا الاتجاه قد يفضي إلى أضرار متبادلة بين الطرفين.

وبين الدعوات إلى توظيف الطاقة ضمن أدوات الضغط والتحذيرات من ارتداداتها، يبرز الربط الكهربائي المغربي الإسباني باعتباره أكثر من مجرد خط لنقل الطاقة؛ فهو جزء من شبكة مصالح اقتصادية واستراتيجية متشابكة بين البلدين، كما يشكل أحد مظاهر الاعتماد المتبادل الذي يطبع العلاقات المغربية الإسبانية.

ومع ذلك، يبقى من المهم التمييز بين النقاش الإعلامي والسياسي وبين الموقف الرسمي للدولة الإسبانية. فما نشرته «إلموندو» لا يمثل قراراً معلناً للحكومة في مدريد، وإنما يعكس نقاشاً حول إمكانية استخدام البنيات التحتية والمصالح الاقتصادية المشتركة ضمن أدوات إدارة الخلافات الثنائية.

وفي ظل توجه المغرب نحو تعزيز أمنه الطاقي وتنويع مصادره وتطوير قدراته في مجال الطاقات المتجددة، فإن إدخال الكهرباء في الحسابات السياسية قد لا يكون بلا كلفة على أي من الطرفين. فكلما تحولت البنية التحتية المشتركة إلى ورقة ضغط، ازدادت في المقابل حوافز الطرف الآخر لتقليص الاعتماد عليها، بما قد ينقل العلاقة من منطق التكامل إلى منطق البحث عن البدائل.

وهكذا، تضع أزمة سبتة ملف الطاقة في واجهة نقاش أوسع حول طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية: هل تظل المصالح الاقتصادية المشتركة جسراً للتعاون، أم تتحول عند اشتداد الخلافات إلى أدوات ضغط متبادلة؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة