الساحل بريس/ الصغير محمد
مع اقتراب موعد الدخول المدرسي بجهة الداخلة وادي الذهب، بدأت الأسر تستعد لمرحلة جديدة تتطلب توفير الكتب والدفاتر والأدوات المدرسية، وهي مصاريف قد تشكل عبئاً حقيقياً على بعض الأسر، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتعدد الالتزامات اليومية.
وتأتي هذه العودة المدرسية في ظرفية سياسية لافتة، تتزامن مع الاستعداد للاستحقاقات التشريعية المقبلة، وهو ما يجعل المشهد المحلي في الداخلة أمام تقاطع بين مناسبة اجتماعية تهم الأسر والتلاميذ، واستحقاق سياسي ينتظر أن يعرف تنافساً بين مختلف الفاعلين.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح العمل الإحساني والاجتماعي أكثر أهمية، كما يصبح الفصل بينه وبين التنافس الانتخابي أكثر ضرورة.
فالداخلة، بما تعرفه من دينامية جمعوية ومبادرات تضامنية، ليست في حاجة إلى إضعاف ثقافة التكافل، بل إلى تشجيعها وترسيخها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأطفال والتلاميذ والأسر التي قد تجد صعوبة في توفير مستلزمات الدخول المدرسي.
ومن الطبيعي أن تظهر، خلال هذه الفترة، مبادرات من أفراد وجمعيات وفاعلين مدنيين ومنتخبين وسياسيين، هدفها مساعدة الأسر وتوفير بعض المستلزمات المدرسية. ومثل هذه المبادرات تظل محمودة متى كانت موجهة إلى خدمة الناس، وتحترم كرامة المستفيدين، ولا تجعل من المساعدة مدخلاً إلى أي التزام سياسي.
فالمواطن الذي استفاد من محفظة أو كتب أو أدوات مدرسية في الداخلة، لا يصبح بذلك من أنصار صاحب المبادرة، كما أن الأسرة التي تلقت مساعدة لا ينبغي أن تُصنف سياسياً بناءً على ذلك.
وهنا تحديداً تبرز ضرورة عدم خلط الأوراق.
فالعمل الإحساني له طابعه الإنساني والاجتماعي، بينما العمل السياسي له أدواته وقواعده. وقد يلتقي الاثنان في خدمة المجتمع، لكن ذلك لا يعني أن تتحول المساعدة إلى وسيلة للتأثير على القرار الانتخابي أو بناء الولاءات.
كما أن كون صاحب المبادرة فاعلاً سياسياً لا يلغي بالضرورة بعدها الاجتماعي، ولا ينبغي أن يدفع إلى التشكيك تلقائياً في كل مبادرة يقوم بها. المعيار الأهم هو كيفية تقديمها، والغاية منها، ومدى احترامها لحرية المستفيد وكرامته واستقلال قراره.
وفي المقابل، فإن المسؤولية لا تقع فقط على أصحاب المبادرات، بل تشمل أيضاً المجتمع المدني والفاعلين المحليين والإعلام والرأي العام، من أجل ترسيخ ثقافة تميز بين التضامن الاجتماعي والتنافس السياسي.
فالأسرة التي تبحث عن توفير الكتب والدفاتر لأبنائها ليست مطالبة بأن تقدم مقابل ذلك موقفاً انتخابياً، والتلميذ الذي يحتاج إلى مستلزمات الدراسة لا ينبغي أن يجد نفسه جزءاً من حملة انتخابية قبل أن يدخل حجرة الدراسة.
وفي جهة الداخلة وادي الذهب، التي تستعد هي الأخرى لموسم انتخابي جديد، يمكن أن تكون هذه المرحلة مناسبة لإطلاق أو تعزيز مبادرات تضامنية واسعة تستهدف الأسر التي تحتاج فعلاً إلى الدعم، سواء من خلال الجمعيات أو المؤسسات أو رجال الأعمال أو المنتخبين أو المواطنين، دون تمييز سياسي أو اجتماعي.
والأهم أن تصل المساعدة إلى مستحقيها، وأن يشعر الطفل الذي يحمل محفظته الجديدة أن المجتمع يقف إلى جانبه، لا أن يشعر بأن هذه المحفظة تحمل معها التزاماً سياسياً أو انتخابياً.
فالانتخابات في نهاية المطاف شأن آخر؛ هي مساحة للاختيار الحر، وللتنافس حول البرامج والأفكار والمشاريع، ويظل للمواطن الحق الكامل في أن يختار من يراه جديراً بتمثيله، بعيداً عن أي إحساس بالدين أو المديونية تجاه شخص أو جهة بسبب مبادرة إحسانية.
ولعل تزامن الدخول المدرسي مع الاستحقاق الانتخابي في جهة الداخلة وادي الذهب يمكن أن يكون فرصة لتعزيز ثقافة التضامن، لا لتحويل العمل الاجتماعي إلى موضوع للتجاذب السياسي.
ليس المطلوب أن تتوقف المبادرات الإحسانية لأن الانتخابات اقتربت، بل المطلوب أن تستمر، وأن تتوسع، وأن تكون أكثر شفافية ووضوحاً، مع الحرص على ألا تتحول إلى أدوات للاستمالة الانتخابية.
فالداخلة تحتاج إلى مبادرات تساعد أبناءها وأسرها، وتحتاج في الوقت نفسه إلى منافسة سياسية نزيهة تقوم على البرامج والقناعات.
دعوا الإحسان إحساناً، والسياسة سياسة؛ فمن حق الأسرة أن تتلقى المساعدة، ومن حق المواطن أن يختار بحرية، ومن حق التلميذ أن يدخل مدرسته دون أن يحمل على كتفيه أي حساب انتخابي.













