إذا غادر الخطاط ينجا سفينة الاستقلال.. ماذا يربح البام وماذا يخسر حزب نزار بركة في جهة الداخلة وادي الذهب؟

هيئة التحريرمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
إذا غادر الخطاط ينجا سفينة الاستقلال.. ماذا يربح البام وماذا يخسر حزب نزار بركة في جهة الداخلة وادي الذهب؟

الساحل بريس / الصغير محمد

في عالم السياسة، لا تكون كل التحولات متشابهة. فهناك انتقالات حزبية تمر كخبر عابر في نشرات المساء، وهناك أخرى تتحول إلى مؤشرات سياسية تستدعي التوقف عندها طويلا لأنها تكشف ما يجري تحت سطح المشهد. ومن هذا المنظور، فإن الحديث المتداول بشأن انتقال محتمل للخطاط ينجا من حزب الاستقلال إلى حزب الأصالة والمعاصرة لا يتعلق بشخص منتخب قرر تغيير انتمائه السياسي، بقدر ما يتعلق بإعادة تموضع أحد أبرز الفاعلين الذين ساهموا خلال سنوات في صناعة جزء مهم من التوازنات السياسية والتنموية بجهة الداخلة وادي الذهب.

فالخطاط ينجا ليس مجرد رئيس جهة أو منتخب محلي نجح في تدبير مؤسسة ترابية. الرجل يمثل نموذجا لفاعل سياسي تشكلت تجربته عند تقاطع الإدارة والتنمية والدبلوماسية الترابية والوساطة الاجتماعية. وعلى امتداد سنوات، نجح في بناء ما يشبه “الرأسمال السياسي المركب”، وهو نوع من الرصيد لا يُقاس بعدد الأصوات الانتخابية فقط، بل بمدى القدرة على التأثير في محيطه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وعلى تحويل العلاقات إلى قوة اقتراح وحضور داخل دوائر القرار.

لقد ارتبط اسم الخطاط ينجا بمرحلة مفصلية في مسار جهة الداخلة وادي الذهب، وهي المرحلة التي انتقلت فيها الجهة من فضاء جغرافي واعد إلى قطب استراتيجي يحظى باهتمام متزايد على المستويين الوطني والدولي. وخلال هذه المرحلة، لم يكن دوره مقتصرا على تدبير الملفات اليومية للجهة، بل انخرط في تقديم صورة جديدة عن الداخلة باعتبارها منصة للتنمية والاستثمار والتعاون الإفريقي.

وفي السياسة الحديثة، غالبا ما يكون النفوذ الحقيقي في القدرة على بناء الشبكات. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة الخطاط ينجا. فالرجل راكم شبكة علاقات واسعة مع مسؤولين ومنتخبين ومستثمرين وفاعلين اقتصاديين وشركاء دوليين، كما استطاع أن يكون حاضرا في عدد من المنتديات واللقاءات الإقليمية والدولية التي تناولت قضايا التنمية الترابية والتعاون جنوب-جنوب وآفاق الاستثمار.

ولعل أهم ما ميز هذه التجربة هو نجاحها في الانتقال من منطق التدبير المحلي الضيق إلى منطق الدبلوماسية الترابية. فالجهات اليوم لم تعد مجرد وحدات إدارية، بل أصبحت فاعلا موازيا في تعزيز صورة الدول وجذب الاستثمارات وبناء الشراكات. ومن هذه الزاوية، نجح الخطاط ينجا في أن يكون أحد الوجوه التي رافعت عن المؤهلات الاقتصادية والاستراتيجية لجهة الداخلة وادي الذهب في عدد من المحافل الدولية، بما يخدم صورة المغرب ومكانة الجهة في محيطها الإقليمي.

وإذا ما تأكد انتقاله إلى حزب الأصالة والمعاصرة، فإن المكسب الذي سيحققه الحزب يتجاوز كثيرا حدود استقطاب اسم وازن. فالبام سيكون أمام فرصة لضم شخصية تمتلك تجربة تدبيرية نادرة في مجال الحكامة الترابية، وشبكة علاقات ممتدة، ورصيدا من الثقة السياسية راكمه الرجل عبر سنوات من الحضور الميداني والمؤسساتي.

كما أن المكسب الأهم قد يتمثل في ما يمكن تسميته بـ”القوة الهادئة”. فالخطاط ينجا لا ينتمي إلى مدرسة السياسي الصدامي أو الباحث عن الأضواء، بل إلى مدرسة الفاعل الذي يبني تأثيره عبر التراكم والعمل الميداني والعلاقات الإنسانية. وهذه النوعية من القيادات غالبا ما تكون أكثر تأثيرا في الواقع من القيادات التي تصنع حضورها عبر الخطابات الإعلامية.

أما بالنسبة لحزب الاستقلال، فإن الخسارة المحتملة لا يمكن اختزالها في فقدان رئيس جهة أو قيادي بارز. فالأمر يتعلق بخسارة أحد أعمدة الحضور الاستقلالي بجهة الداخلة وادي الذهب، وأحد الأسماء التي ساهمت في ترسيخ صورة الحزب داخل النخب المحلية والاقتصادية والاجتماعية.

وسيكون لهذا المعطى أثر مباشر على التوازنات التنظيمية للحزب بالجهة، خاصة أن الخطاط ينجا لا يمثل فقط نفسه، بل يمثل دائرة واسعة من العلاقات السياسية والانتخابية والإنسانية التي تشكلت حوله عبر الزمن. ولذلك فإن أي انتقال محتمل قد يؤدي إلى تحركات موازية داخل الخريطة المحلية، سواء على مستوى المنتخبين أو الفاعلين أو المتعاطفين.

وبالنسبة لنزار بركة، فإن المسألة تتجاوز البعد التنظيمي إلى البعد الرمزي. فالاستقلال ظل ينظر إلى جهة الداخلة وادي الذهب باعتبارها إحدى قلاعه السياسية المهمة، وأي مغادرة لاسم بحجم الخطاط ينجا ستطرح أسئلة حول قدرة الحزب على الحفاظ على توازنه داخل الجهة في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها المشهد السياسي الوطني.

أما حمدي ولد الرشيد، الذي نجح خلال السنوات الأخيرة في تعزيز حضوره داخل الأقاليم الصحراوية عبر هندسة تنظيمية وسياسية دقيقة، فإن أي تغيير في موقع الخطاط ينجا سيعني بالضرورة إعادة قراءة لخريطة التحالفات والنفوذ داخل المجال الصحراوي، لأن العلاقة بين الأسماء الوازنة في هذه المناطق لا تُقاس فقط بمنطق الانتماء الحزبي، بل أيضا بمنطق التوازنات الاجتماعية والقبلية والاقتصادية.

لكن القراءة الأكثر عمقا لا تتعلق بمن سيربح ومن سيخسر، بل بما إذا كان هذا التحول المحتمل يعكس بداية مرحلة جديدة في السياسة بجهة الداخلة وادي الذهب. فالأحزاب في نهاية المطاف لا تتنافس فقط على البرامج والشعارات، بل على استقطاب الشخصيات القادرة على تحويل الأفكار إلى مشاريع، والعلاقات إلى شراكات، والحضور المحلي إلى نفوذ وطني ودولي.

ومن هنا يمكن القول إن القيمة السياسية للخطاط ينجا لا تكمن فقط في عدد الأصوات التي قد ينقلها من حزب إلى آخر، بل في كونه يمثل تجربة سياسية متكاملة جمعت بين التدبير والتنمية والدبلوماسية الترابية وبناء الثقة. وهي عناصر تجعل أي قرار سياسي يتخذه أكبر من مجرد انتقال حزبي، وأقرب إلى حدث قد يعيد ترتيب جزء من موازين القوى داخل جهة الداخلة وادي الذهب خلال السنوات المقبلة.

وفي السياسة، تبقى بعض الأسماء أكبر من مواقعها التنظيمية. والخطاط ينجا، سواء بقي في حزب الاستقلال أو اختار وجهة أخرى، يبدو من تلك الأسماء التي يصعب اختزال تأثيرها في بطاقة انخراط حزبية، لأنها تحولت مع مرور الوقت إلى فاعل سياسي قائم بذاته، وإلى عنوان لمرحلة كاملة من التحولات التي عرفتها جهة الداخلة وادي الذهب.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة