في معنى التمثيل البرلماني: قراءة في تجربة عبد الفتاح أهل المكي

هيئة التحريرمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
في معنى التمثيل البرلماني: قراءة في تجربة عبد الفتاح أهل المكي

بقلم : الصغير محمد

لا يختزل التمثيل البرلماني في الإطار الإجرائي الذي يمنحه الشرعية القانونية، بل يتأسس، في جوهره، على تحويل التفويض الانتخابي إلى ممارسة سياسية واعية. فالتمثيل، بمعناه العميق، هو قدرة المنتخب على أن يجعل من المؤسسة التي ينتمي إليها أداة لنقل مطالب المجتمع، لا بوصفها شكاوى معزولة، بل باعتبارها تعبيرًا عن اختلالات بنيوية في توزيع القرار والموارد. من هذا المنطلق، تتيح تجربة البرلماني عبد الفتاح أهل المكي إمكانية التفكير في التمثيل البرلماني بوصفه وظيفة وساطية بين الدولة وساكنة إقليم أوسرد.

تحت قبة البرلمان، أبان عبد الفتاح أهل المكي عن علوّ كعبه في استثمار الآليات الدستورية المتاحة، وعلى رأسها الأسئلة البرلمانية الشفوية والكتابية. غير أن دلالة هذه الممارسة لا تكمن في بعدها العددي، بل في بعدها الوظيفي؛ إذ يتحول السؤال البرلماني، في هذه التجربة، من إجراء رقابي محدود إلى أداة سياسية لإعادة إدراج قضايا ساكنة أوسرد ضمن النقاش العمومي الوطني، وربط مطالبها اليومية بالسياق العام للسياسات العمومية.

ويكتسب هذا الفعل دلالته المفاهيمية حين يُقرأ في علاقته بمسألة المساءلة. فالمساءلة البرلمانية ليست مجرد مساءلة للحكومة، بل هي أيضًا مساءلة غير مباشرة لمنطق التهميش الصامت الذي تعاني منه المناطق البعيدة عن المركز. وفي هذا السياق، يصبح السؤال البرلماني تعبيرًا عن إرادة سياسية في كسر الصمت المؤسساتي، وتحويل قضايا الساكنة من الهامش إلى دائرة الاهتمام المركزي.

ولا يقتصر هذا الدور على الفعل الخطابي داخل البرلمان، بل يمتد إلى ما يمكن تسميته بـ الوساطة السياسية. فقد حرص عبد الفتاح أهل المكي على التواصل مع مختلف القطاعات الوزارية، بما يعكس فهمًا لدور النائب البرلماني كحلقة وصل بين ساكنة أوسرد والإدارة المركزية. هذه الوساطة لا تُختزل في بعدها الشخصي، بل تُفهم كآلية لتعويض ضعف القنوات المؤسساتية في نقل مطالب المناطق البعيدة عن المركز، حيث غالبًا ما تتعثر السياسات العمومية عند مستوى التنفيذ.

إن تمثيل ساكنة أوسرد، في هذا الإطار، لا يُمارَس بوصفه انتماءً جغرافيًا ضيقًا، بل باعتباره التزامًا سياسيًا بإعادة صياغة مطالبها ضمن لغة الدولة، وربطها بمنطق الحقوق والعدالة المجالية. وهنا، يتجاوز البرلماني دور الناطق باسم الدائرة الانتخابية، ليضطلع بوظيفة الفاعل السياسي الذي يسعى إلى تقليص الفجوة بين المجتمع المحلي ومركز القرار.

وتفتح هذه التجربة نقاشًا أوسع حول معنى الصمت داخل المؤسسة التشريعية. فالصمت، حين لا يكون موقفًا نقديًا واعيًا، يتحول إلى شكل من أشكال التنازل عن الوظيفة التمثيلية. في المقابل، تبرز ممارسة عبد الفتاح أهل المكي باعتبارها تعبيرًا عن تصور يرى في المبادرة والسؤال والمساءلة جوهر العمل البرلماني، لا عبئًا إجرائيًا يمكن الاستغناء عنه.

في المحصلة، لا يمكن فهم تجربة عبد الفتاح أهل المكي خارج السياق البنيوي الذي يطبع علاقة الدولة بالمجالات البعيدة عن المركز. غير أن هذه التجربة تُظهر أن التمثيل البرلماني، حين يُمارَس بوصفه فعلًا سياسيًا واعيًا، يمكن أن يتحول إلى أداة لإيصال صوت ساكنة أوسرد، وإلى ممارسة تعيد للبرلمان وظيفته الأصلية كفضاء للوساطة والمساءلة وإنتاج المعنى السياسي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة