الداخلة.. الأحرار والاستقلال والأصالة والمعاصرة في واجهة الحراك.. فأين الحركة الشعبية؟

هيئة التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
الداخلة.. الأحرار والاستقلال والأصالة والمعاصرة في واجهة الحراك.. فأين الحركة الشعبية؟

الساحل بريس / الصغير محمد

في الداخلة، لا تبدو الساحة السياسية هذه الأيام منشغلة فقط بما تقوله الأحزاب، بقدر ما تبدو منشغلة بمن يقف إلى جانب من، ومن انتقل من ضفة إلى أخرى، ومن ظهر في صورة مع هذا الحزب صباحاً ليظهر في صورة أخرى مع حزب منافس مساءً. فبعد اللقاء الذي نظمه حزب التجمع الوطني للأحرار، بما رافقه من حضور لافت وحشد كبير، وما أعقبه من انسحابات وانتقالات في اتجاه حزب الاستقلال بقيادة امبارك حمية، ثم اللقاء الكبير الذي عقده حزب الاستقلال، تتجه الأنظار الآن إلى الموعد المنتظر لحزب الأصالة والمعاصرة، فيما تظل الحركة الشعبية خارج المشهد العلني تقريباً، وكأنها اختارت أن تخوض معركتها في مكان آخر.

هنا تحديداً تبدأ السياسة في الانتقال من منطق المؤتمرات إلى منطق الحسابات، ومن سؤال من كان أكثر حضوراً إلى سؤال أكثر تعقيداً: من يمتلك القدرة على تحويل الحضور السياسي إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع؟

فالصور، مهما كانت دلالتها، لا تنتخب. والحشود، مهما كان حجمها، لا تترجم بالضرورة إلى أصوات. وحتى الانتماء الظاهر في مناسبة سياسية لا يعني بالضرورة التزاماً انتخابياً ثابتاً. في المقابل، فإن السياسة الانتخابية الحقيقية تبدأ حيث تنتهي عدسات الكاميرات؛ أي في القدرة على بناء الثقة، وإقناع الناخب، وربط الخطاب السياسي بمصالحه اليومية، ثم تحويل ذلك الاقتناع إلى قرار انتخابي في اللحظة الحاسمة.

ومن هذه الزاوية، فإن ما يجري اليوم في الداخلة يمكن قراءته باعتباره بداية سباق مفتوح على الاستقطاب. كل حزب يريد أن يثبت أنه قادر على جذب الأسماء، واستمالة الفاعلين، وتوسيع دائرته، وإظهار أن ميزان القوة يتحرك لمصلحته. لكن المشكلة في هذا النوع من السباقات أن كثرة الأسماء لا تعني بالضرورة كثرة الأصوات، كما أن الانتقال من حزب إلى آخر قد يكون مؤشراً على تحول حقيقي في المزاج الانتخابي، وقد يكون مجرد تعبير عن براغماتية سياسية تبحث عن الموقع الأقرب إلى موازين القوة.

ولعل أكثر ما يجعل المشهد الداخلاوي قابلاً للتحليل هو طبيعة الخريطة الانتخابية نفسها. فالقاعدة الانتخابية الممتدة غرب المدينة ليست مجرد كتلة عددية يمكن التعامل معها باعتبارها رقماً في معادلة انتخابية؛ إنها، في جانب كبير منها، فضاء اجتماعي له حساباته الخاصة، وذاكرته السياسية، وشبكات علاقاته، وتقييمه للأشخاص والوجوه التي تتقدم لتطلب ثقته. ولذلك فإن أي حزب يريد أن يراهن على هذه القاعدة لا يكفيه أن يحشد في قاعة أو ينظم مؤتمراً كبيراً؛ عليه أن يقنع الناخب بأن الأشخاص الذين يمثلونه قادرون على تدبير الشأن العام، وأن الرهان عليهم ليس مجرد انتقال انتخابي من اسم إلى اسم.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية في المشهد الحالي: الأحزاب تبدو وكأنها تتنافس على من يستقطب أكثر، بينما الناخب قد يكون في مكان آخر تماماً، يراقب ويقارن وينتظر. فحين تصبح التحركات السياسية متلاحقة، وتظهر الوجوه نفسها في أكثر من مناسبة وبجوار أكثر من قيادة، يصبح السؤال ليس فقط: من استقطب فلاناً؟ بل: هل استقطاب فلان سيؤدي فعلاً إلى انتقال قاعدة انتخابية معه؟

هذه النقطة مهمة لأن السياسة في المجتمعات الانتخابية لا تتحرك دائماً وفق المنطق الذي تريده التنظيمات الحزبية. فقد ينتقل فرد ولا تنتقل معه جماعته، وقد يبقى شخص داخل حزب بينما يتحرك جزء من محيطه الانتخابي في اتجاه آخر. وقد تكون صورة واحدة في مناسبة سياسية أكثر ضجيجاً من أثرها الانتخابي الحقيقي، كما قد يكون التحرك الصامت لشخص لا يظهر في أي مؤتمر أكثر تأثيراً من عشرات الصور.

ومن هنا تحديداً يصبح غياب الحركة الشعبية عن هذا الحراك العلني سؤالاً سياسياً مشروعاً، لا حكماً مسبقاً على أدائها. أين الحركة الشعبية من كل هذا؟ لماذا لا نرى مؤتمراً كبيراً؟ لماذا لا نشاهد موجة استقطاب مماثلة؟ لماذا لا تحضر بالقدر نفسه في المشهد الإعلامي والسياسي؟ هل يتعلق الأمر بضعف في الحضور، أم باختيار سياسي مختلف؟

ربما تكون الإجابة أبسط مما تبدو عليه، وربما تكون أكثر تعقيداً.

ففي السياسة، ليس كل ما يُفعل يُعلن، وليس كل ما يُعلن يُفعل. وقد تختار بعض التنظيمات السياسية أن تستهلك جزءاً كبيراً من طاقتها في صناعة المشهد، بينما تختار تنظيمات أخرى العمل بعيداً عن الأضواء، على أساس أن المعركة الحقيقية ليست في حجم التصفيق داخل القاعة، وإنما في عدد الأوراق التي تحمل الاسم يوم الاقتراع.

وإذا كانت الحركة الشعبية تتبنى فعلاً هذا النوع من العمل، فإنها قد تكون اختارت استراتيجية مختلفة تماماً: ترك الآخرين يتنافسون على واجهة المشهد، بينما تشتغل هي على بناء شبكة انتخابية هادئة، لا تظهر إلا عندما يحين وقت الاختبار. لكن في المقابل، يبقى هذا مجرد احتمال تحليلي، لأن الصمت السياسي قد يكون استراتيجية، وقد يكون أيضاً نتيجة غياب المبادرة أو ضعف القدرة على الدخول في سباق الاستقطاب.

وهنا تكمن صعوبة قراءة السياسة في مرحلة ما قبل الانتخابات: ما نراه ليس بالضرورة هو ما يحدث، وما لا نراه ليس بالضرورة غائباً.

الأحزاب التي عقدت مؤتمراتها وحشدت أنصارها قطعت خطوة مهمة في معركة الصورة وإثبات الحضور، لكنها لم تحسم شيئاً بعد. والأسماء التي انتقلت من تنظيم إلى آخر قد تكون مؤشراً على إعادة ترتيب حقيقية للخريطة، لكنها تحتاج إلى امتحان الصندوق. والحزب الذي لم يظهر كثيراً قد يكون خارج المنافسة، وقد يكون في المقابل يعدّ نفسه للظهور في اللحظة التي يعتقد أنها أكثر فائدة له.

لهذا فإن السؤال الأهم في الداخلة ليس: من كان مؤتمره أكبر؟ ولا: من استقطب عدداً أكبر من الوجوه؟ ولا حتى: من ظهر أكثر في الصور؟

السؤال الحقيقي هو: من استطاع أن يحول التنظيم إلى ثقة، والثقة إلى اقتناع، والاقتناع إلى أصوات؟

فالانتخابات لا تُحسم دائماً في المنصات التي يعلو فيها الصوت، وإنما في المساحات التي يصمت فيها الجميع ويضع الناخب ورقته داخل الصندوق. وهناك، تحديداً، تسقط الكثير من الصور التي بدت قوية، وتظهر قوة أخرى لم تكن مرئية.

لذلك، قد يكون ما نراه اليوم في الداخلة مجرد الفصل الأول من معركة أطول. الأحزاب منشغلة بإعادة ترتيب صفوفها، والقيادات تتنقل، والوجوه تتحرك، والاستقطابات تتسارع، والمؤتمرات تصنع مشهداً سياسياً صاخباً. لكن خلف هذا الضجيج كله يوجد ناخب يراقب من بعيد، ويملك في النهاية الكلمة التي لا تستطيع أي قيادة حزبية أن تصادرها.

وفي السياسة، لا ينبغي أن نخلط بين ضجيج المعركة ونتيجتها. فقد يكون الأكثر ظهوراً هو الأكثر قوة، وقد يكون الأكثر صمتاً هو الأكثر استعداداً. وقد تنتهي المعركة، كما بدأت، بصورة مختلفة تماماً عن كل الصور التي التقطت في الطريق.

لهذا ستظل الحركة الشعبية، بقدر ما يظل بقية الفاعلين، علامة استفهام مفتوحة في المشهد الداخلاوي: هل هي خارج السباق فعلاً، أم أنها اختارت ألا تخوضه بالطريقة التي يخوضه بها الآخرون؟

الجواب لن تمنحه المؤتمرات، ولا الصور، ولا موجات الانتقال من حزب إلى آخر. الجواب الحقيقي سيكون في الصندوق.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة