الساحل بريس / الصغير محمد
ليست السياسة دائماً فن اتخاذ القرار، بل هي أيضاً فن تأجيله إلى اللحظة التي يصبح فيها أكثر قيمة. وفي هذا المعنى، قد لا تكون المنطقة الرمادية التي اختارها الشيخ أحمد بنان مجرد تردد بين اصطفافين، وإنما محاولة لإدارة المسافة بينهما، وتحويل عدم الحسم إلى مورد سياسي.
فاللقاء الأخير مع قيادة حزب الاستقلال لم ينته، كما يبدو، بإعلان نهائي، بل بإرجاء الحسم إلى حين اكتمال التشاور مع المحيط السياسي لبنان. وقد يبدو ذلك تفصيلاً تنظيمياً، لكنه في منطق السياسة يحمل دلالة أعمق: القرار الذي يُتخذ أمام الجميع يختلف عن القرار الذي يُصنع أولاً داخل شبكة القوة التي يستند إليها صاحبه.
وهنا يصبح السؤال: لماذا الانتظار، إذا كان الموقف قابلاً للإعلان؟
لأن الإعلان ينهي الاحتمالات، بينما الانتظار يحافظ عليها.
والسياسي لا يفاوض فقط بما يملك، وإنما أيضاً بما يمكن أن يملكه إذا بقيت الاحتمالات مفتوحة. لذلك فإن إبقاء المسافة بين المعسكرات قد يكون أحياناً أقوى من الانضمام المبكر إلى أحدها.
هذه هي فلسفة «المنطقة الرمادية»: ألا تكون خارج اللعبة، وألا تصبح جزءاً نهائياً من لعبة أحد قبل أن تعرف شروطها.
وتزداد أهمية ذلك في حالة بنان لأن تأثيره، وفق القراءة السياسية المتداولة حول موقعه المحلي، لا يتوقف عند قاعدته المباشرة في أوسرد، بل يمتد إلى علاقات وشبكات يمكن أن تؤثر في قواعد جماعات أخرى. وهنا ينبغي التمييز بين التأثير وبين امتلاك الأصوات؛ فالناخب ليس ملكاً لأحد، ولا تنتقل الأصوات آلياً مع الشخصيات. لكن القدرة على التأثير في أكثر من قاعدة تجعل من صاحبها رقماً يصعب على المتنافسين تجاهله.
وهنا تتحول الشخصية من «فاعل انتخابي» إلى «فاعل ترجيحي».
والفاعل الترجيحي لا يحتاج إلى أن يملك الأغلبية؛ يكفي أن يملك القدرة على تغيير اتجاه الميزان.
هذه الفكرة ليست جديدة في علم السياسة. ففي الأنظمة التعددية، كثيراً ما تصبح القوى الصغيرة حاسمة عندما تتقارب الكتل الكبرى. ليس لأنها أقوى منها، بل لأن موقعها بين المتنافسين يمنحها قيمة أكبر من حجمها العددي. وفي السياسة المحلية، يمكن أن تقوم الشخصية ذات الشبكة الاجتماعية الواسعة بالدور نفسه، وإن كان السياق مختلفاً.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم بنان باعتباره يحاول الانتقال من سؤال «مع أي حزب؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً: «ما الموقع الذي يجعلني أكثر تأثيراً؟».
وهذا فارق بين السياسي الذي يبحث عن الانتماء والسياسي الذي يبحث عن الموقع.
فالانتماء يمنحك هوية، أما الموقع فيمنحك قدرة على التفاوض.
ولذلك فإن تأجيل القرار قد يكون محاولة لرفع قيمة الموقع قبل اختياره. فكلما بقيت إمكانية دعمه مفتوحة أمام أكثر من طرف، ظل جزء من قيمته السياسية خارج حسابات الآخرين، لأنهم لا يعرفون بعد أين ستستقر.
لكن هنا تكمن المفارقة: المنطقة الرمادية تمنح القوة، لكنها لا تمنحها إلى الأبد.
فالانتظار في السياسة يشبه رأس المال؛ يمكن أن ترتفع قيمته إذا أحسن صاحبه توقيت استخدامه، ويمكن أن يفقد قيمته إذا طال تجميده. وكلما اقترب موعد الحسم، تقل مساحة المناورة، وتتحول القدرة على الانتظار من مصدر قوة إلى مصدر مخاطرة.
ولهذا فإن تأجيل الإعلان إلى نهاية الشهر، إذا كان هو التوقيت المقصود، لا ينبغي قراءته فقط باعتباره موعداً إدارياً، وإنما باعتباره لحظة سياسية تقترب فيها الأحزاب من تحويل الحسابات إلى ترشيحات وتحالفات فعلية.
في هذه اللحظة، تصبح كل شخصية قادرة على التأثير في أكثر من قاعدة ذات قيمة أكبر، لأن الأحزاب لا تبحث فقط عن مرشح، وإنما عن القدرة على بناء معادلة انتخابية قابلة للحياة.
ومن هنا يمكن تصور ثلاثة مسارات لبنان: أن يبقى قريباً من الاستقلال، أن ينتقل إلى معسكر آخر، أو أن يختار صيغة أكثر مرونة تقوم على الدعم والتحالف دون انخراط تنظيمي كامل.
لكن الفرضية الأكثر عقلانية ليست بالضرورة «الانتقال» ولا «البقاء»، وإنما اختيار الأنسب.
فالسياسة لا تكافئ الوفاء للماضي وحده، ولا تكافئ الانضمام إلى الطرف الذي يبدو أقوى في لحظة معينة. إنها تكافئ أحياناً القدرة على قراءة المستقبل. وإذا كان بنان يريد الحفاظ على تأثيره، فإن المعسكر الأنسب له هو الذي يستطيع أن يمنحه موقعاً يحفظ علاقاته، ويعزز حضوره، ولا يحوله من فاعل إلى مجرد رقم داخل تحالف أكبر.
وهنا يصبح السؤال عن «جوكر أوسرد» أقل أهمية من سؤال آخر: هل يستطيع بنان أن يحافظ على استقلالية قراره بينما يستفيد من قوة التحالف؟
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لشخصية محلية ذات وزن هو أن تتحول من صاحب ورقة إلى ورقة في يد الآخرين.
وهذه ربما هي فلسفة المنطقة الرمادية كلها.
أن تبقى قريباً بما يكفي كي تكون مؤثراً، وبعيداً بما يكفي كي لا تفقد قدرتك على الاختيار.
وعليه، فإن ما يجري حول الشيخ أحمد بنان لا ينبغي اختزاله في سؤال: هل سيبقى مع الاستقلال أم سيغادره؟ السؤال الأعمق هو: هل يحاول بنان إعادة تعريف موقعه من داخل اللعبة السياسية، بحيث يصبح طرفاً تتنافس المعسكرات على استقطابه، لا طرفاً يبحث هو عن معسكر يحتضنه؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن تأجيل القرار يصبح مفهوماً. وإذا كانت قدرته على التأثير تمتد فعلاً إلى أكثر من قاعدة انتخابية، فإن اختياره قد يحمل أثراً يتجاوز أوسرد إلى دوائر أوسع.
لكن الحقيقة النهائية لن تصنعها الاجتماعات ولا التحليلات.
صندوق الاقتراع هو الذي سيحدد مقدار المسافة بين النفوذ المتصور والنفوذ الفعلي.
إلى ذلك الحين، تظل المنطقة الرمادية هي المساحة التي يحتفظ فيها بنان بأغلى ما يمكن أن يملكه السياسي قبل الانتخابات: حرية الاختيار.













