الساحل بريس / الصغير محمد
ليست كل الصور مجرد لحظة عابرة تلتقطها عدسة مصور. ففي السياسة، تتحول الصورة أحيانا إلى رسالة، ويصبح ترتيب الواقفين فيها أكثر إثارة للنقاش من الكلمات التي قيلت خلال المناسبة نفسها. هكذا بدت الصورة التي نشرتها السفارة الأمريكية بالرباط خلال الاحتفالات المخلدة للذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، والتي جمعت شخصيات بارزة من حزب الاستقلال بالأقاليم الجنوبية، يتوسطها الخطاط ينجا منسق الحزب بجهة الداخلة وادي الذهب، وإلى جانبه حمدي ولد الرشيد، أحد أبرز القيادات الاستقلالية بالصحراء.
الصورة، في ظاهرها، توثق حضورا مغربيا في مناسبة دبلوماسية أمريكية. غير أن ما أثار الانتباه ليس المناسبة في حد ذاتها، بل اجتماع وجوه سياسية ظلت علاقاتها تقرأ خلال السنوات الماضية على ضوء توازنات داخلية وحسابات تنظيمية معقدة داخل حزب الاستقلال بالأقاليم الجنوبية.
فمنذ سنوات، شكلت الأقاليم الجنوبية مجالا لتنافس سياسي وتنظيمي بين مراكز نفوذ مختلفة داخل الحزب، خاصة مع تنامي الرهانات التنموية والتمثيلية السياسية بالجهتين. وفي هذا السياق، كان ينظر إلى كل لقاء أو تقارب بين القيادات الاستقلالية الكبرى باعتباره مؤشرا على إعادة ترتيب موازين القوى داخل الحزب أكثر من كونه مجرد تواصل بروتوكولي عادي.
لكن السؤال الذي تطرحه الصورة اليوم هو: هل نحن أمام بداية مرحلة جديدة من التقارب السياسي داخل البيت الاستقلالي بالصحراء؟ أم أن الأمر لا يتجاوز مقتضيات بروتوكول دبلوماسي فرضته مناسبة دولية جمعت شخصيات سياسية من مواقع مختلفة؟
من الناحية السياسية، لا يمكن الجزم بأن صورة واحدة كافية لإعلان نهاية الخلافات أو بداية تحالفات جديدة. فالسياسة لا تقاس بالصور وحدها، وإنما بالمواقف والقرارات والتحركات اللاحقة. غير أن الصور تظل، في الوقت نفسه، مؤشرات رمزية ذات دلالة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقيادات تدرك جيدا قيمة الرسائل غير المعلنة في المجال العام.
وقد يكون من المبكر الحديث عن مصالحة سياسية أو طي نهائي لصفحة الماضي، لكن من الصعب أيضا تجاهل أن ظهور هذه القيادات في إطار واحد، وفي مناسبة ذات رمزية دولية، يبعث بإشارات تفيد بأن قنوات التواصل لم تنقطع، وأن منطق التدبير السياسي قد يتغلب أحيانا على منطق الاصطفافات القديمة.
الأهم من ذلك أن المناسبة لم تكن حزبية، بل جاءت في سياق دبلوماسي دولي يتعلق بالاحتفال بذكرى استقلال الولايات المتحدة الأمريكية. وهو ما يمنح الصورة بعدا آخر يتجاوز الحسابات التنظيمية الضيقة، ليضعها ضمن مشهد أوسع يعكس صورة النخب السياسية بالصحراء أمام شركاء المغرب الدوليين.
أما على مستوى النتائج المحتملة، فإن أي تقارب بين القيادات الاستقلالية بالأقاليم الجنوبية سيكون له أثر مباشر على توازنات الحزب مستقبلا، سواء في تدبير الاستحقاقات السياسية المقبلة أو في تعزيز حضوره داخل المؤسسات المنتخبة بالجهتين. كما أن توحيد الجهود بين مختلف الأقطاب الحزبية قد يمنح الحزب قدرة أكبر على مواجهة التحديات التنظيمية والانتخابية القادمة.
في المقابل، إذا كانت الصورة مجرد انعكاس لظرف دبلوماسي عابر، فإنها ستظل حدثا رمزيا محدود الأثر، سرعان ما ستتجاوزه الوقائع السياسية اليومية. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن الصور قد تفتح باب التأويل، لكنها لا تصنع التحولات بمفردها.
وبين هذين الاحتمالين، تبقى الصورة مفتوحة على أكثر من قراءة. غير أن المؤكد هو أن السياسة تبدأ أحيانا بإشارة رمزية صغيرة قبل أن تتحول إلى وقائع ملموسة. لذلك لم يكن غريبا أن تتحول صورة نشرتها السفارة الأمريكية إلى مادة للتأويل السياسي، وأن تطرح سؤالا ما زال معلقا: هل نحن أمام لحظة مصالحة داخل البيت الاستقلالي في الصحراء، أم مجرد صورة فرضتها بروتوكولات الدبلوماسية ومجاملات المناسبات الدولية؟













