لغة الأرقام في مواجهة الغلاء.. هل نجح أخنوش في إقناع المغاربة؟

هيئة التحريرمنذ 59 دقيقةآخر تحديث :
لغة الأرقام في مواجهة الغلاء.. هل نجح أخنوش في إقناع المغاربة؟

الساحل بريس / الصغير محمد

في اللحظات السياسية الحساسة، لا تكون الخرجات الإعلامية مجرد عرضٍ للحصيلة الحكومية، بل تتحول إلى محاولة لقياس المسافة بين السلطة والشارع، بين ما تعتقد الحكومة أنها أنجزته، وما يشعر به المواطن في تفاصيل حياته اليومية. ومن هذا المنطلق، جاءت الخرجة الأخيرة لرئيس الحكومة، عزيز أخنوش، محمّلة بلغة الأرقام والإنجازات، وكأنها محاولة لإعادة رسم صورة حكومة تقول إنها أوفت بجزء مهم من وعودها الاجتماعية والاقتصادية.

أخنوش تحدث بثقة عن مناصب الشغل، والحماية الاجتماعية، والدعم المباشر، والاستثمارات الكبرى، مقدماً صورة لمغرب يتحرك بثبات نحو تعزيز الدولة الاجتماعية وتحقيق التحول الاقتصادي. بدا الخطاب منسجماً في بنيته السياسية، ومبنياً على أرقام أرادت الحكومة من خلالها إقناع الرأي العام بأن ما تحقق خلال السنوات الأخيرة لم يكن مجرد تدبير عادي، بل مسار إصلاحي متكامل.

غير أن السياسة، في معناها العميق، لا تُقاس فقط بما يُقال في المنصات الرسمية، بل بما يترجم داخل البيوت والأسواق وأحاديث الناس اليومية. وهنا تحديداً يظهر التحدي الأكبر الذي تواجهه الحكومة. فبينما تتحدث عن المؤشرات الإيجابية، يعيش جزء واسع من المغاربة تحت ضغط غلاء متواصل أرهق القدرة الشرائية، وجعل المواطن ينظر بحذر إلى كل خطاب يتحدث عن “الإنجاز” دون أن يلمس أثره المباشر في معيشه اليومي.

وفي ملف التشغيل، حاول رئيس الحكومة تقديم أرقام تعكس دينامية اقتصادية قادرة على خلق فرص العمل، غير أن الإحساس العام، خصوصاً وسط الشباب، ما يزال متأثراً بارتفاع البطالة واتساع دائرة الانتظار. فالمواطن لا يتعامل مع الأرقام بوصفها معطيات تقنية فقط، بل يقارنها بواقعه الشخصي، وبما إذا كانت تلك المؤشرات قد غيرت فعلاً شروط حياته.

أما قطاعا التعليم والصحة، اللذان يشكلان العمود الفقري لأي مشروع اجتماعي، فقد حضرا بدورهما في خطاب أخنوش باعتبارهما مجالين شهدا إصلاحات مهمة واستثمارات ضخمة. لكن رغم ذلك، ما تزال قطاعات واسعة من المغاربة تعتبر أن مشاكل الاكتظاظ وضعف الخدمات والاحتقان المهني لم تختفِ بعد، وأن الطريق نحو إصلاح حقيقي ما يزال طويلاً.

ومع ذلك، فإن القراءة السياسية المتوازنة تفرض الاعتراف بأن الحكومة اشتغلت في ظرفية دولية وإقليمية معقدة، عنوانها التضخم والجفاف وتقلبات الاقتصاد العالمي. كما أن بعض الأوراش الاجتماعية التي أطلقتها تحمل رهانات استراتيجية قد تظهر نتائجها بشكل أوضح على المدى البعيد.

لكن الإشكال الحقيقي لا يتعلق فقط بحجم المشاريع أو قيمة الميزانيات، بل بمدى قدرة الحكومة على تحويل تلك الأرقام إلى شعور جماعي بالتحسن والثقة. وهنا يبرز البعد الانتخابي للخرجة الأخيرة؛ إذ بدا واضحاً أن حزب التجمع الوطني للأحرار لا يدافع فقط عن حصيلة حكومية، بل يختبر أيضاً مدى احتفاظه بمكانته داخل الوجدان الشعبي المغربي.

فالانتخابات لا تُحسم بالخطابات وحدها، ولا بالأرقام مهما كانت كبيرة، بل تُحسم حين يقتنع المواطن بأن ما يسمعه من السياسيين يشبه فعلاً ما يعيشه في يومياته. لذلك يبقى السؤال مفتوحاً: هل نجح أخنوش في إقناع المغاربة، أم أن لغة الغلاء ما تزال أقوى من لغة الأرقام؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة