مالية 2027 على طاولة النقاش.. هل تملك الحكومة المقبلة هامش تعديل اختيارات الميزانية؟

هيئة التحريرمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
مالية 2027 على طاولة النقاش.. هل تملك الحكومة المقبلة هامش تعديل اختيارات الميزانية؟

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، بدأت التحضيرات المرتبطة بمشروع قانون المالية لسنة 2027 تفتح نقاشاً أكاديمياً ومؤسساتياً حول حدود الاختيارات التي يمكن للحكومة الحالية بلورتها، ومدى قدرة الحكومة التي ستفرزها صناديق الاقتراع على مراجعة هذه التوجهات لاحقاً.

ويأتي هذا النقاش على خلفية المذكرة التوجيهية لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، التي تؤطر عمل القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية وتحدد الفرضيات والتوجهات الكبرى التي ستُبنى عليها مقترحات الميزانية، في وقت تؤكد فيه الحكومة أن الاستعداد المبكر لقانون المالية يندرج ضمن منطق استمرارية الدولة ولا يمكن أن يتوقف بسبب الاستحقاقات الانتخابية.

وفي هذا السياق، أوضح عبد الرزاق الهيري، الأستاذ الجامعي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، لموقعنا، أن المذكرة التوجيهية تظل، من حيث طبيعتها، أداة لتأطير العمل الإداري للقطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية، وتحديد الفرضيات والتوجهات التي ستنطلق منها في إعداد مقترحاتها، دون أن ترقى إلى قوة قانون المالية نفسه أو تجعل الحكومة المقبلة مقيدة سياسياً بشكل نهائي بما ورد فيها.

وأوضح الهيري أن مشروع قانون المالية لا يكتسب قوته القانونية بمجرد إعداده، وإنما يمر عبر مسار مؤسساتي ودستوري واضح، يبدأ بالتداول في المجلس الوزاري ومجلس الحكومة، قبل إيداع المشروع لدى البرلمان ومناقشته والتصويت عليه، وهو ما يترك، من حيث المبدأ، مجالاً أمام الحكومة المقبلة لإعادة ترتيب عدد من الأولويات والاختيارات وفق برنامجها السياسي.

غير أن هذا الهامش لا يعني، بحسب المتحدث، إمكانية إعادة صياغة المالية العمومية من نقطة الصفر، إذ تفرض استمرارية الدولة جملة من الالتزامات التي تتجاوز تغير الحكومات، من خدمة الدين العمومي وأجور الموظفين، إلى الالتزامات القانونية والاجتماعية والمشاريع المبرمجة ضمن أوراش متعددة السنوات.

ومن هذا المنطلق، يرى الهيري أن الإعداد المبكر لمشروع قانون المالية لسنة 2027 لا يتعارض في حد ذاته مع المنطق الديمقراطي، بل تفرضه ضرورة احترام الآجال القانونية وضمان استمرارية المرافق العمومية. غير أن التمييز، يضيف، يظل ضرورياً بين الالتزامات التي تفرضها التوازنات الاقتصادية والمالية والقانونية، وبين الاختيارات السياسية التي تهم توزيع الاعتمادات، والتدابير الجبائية، وأولويات الاستثمار والتشغيل.

وبحسب هذا الطرح، فإن جوهر الإشكال لا يرتبط ببدء الإدارة في إعداد مشروع الميزانية قبل الانتخابات، وإنما بمدى إمكانية تحول بعض الاختيارات الأولية إلى التزامات يصعب على الحكومة المقبلة تعديلها، قبل أن تتضح توجهاتها السياسية وبرنامجها الاقتصادي والاجتماعي.

في المقابل، يطرح جواد لعسري، أستاذ التعليم العالي المتخصص في التشريع المالي والمالية العمومية، زاوية أخرى للنقاش، ترتبط أساساً بترتيب المسطرة الدستورية لإعداد مشروع قانون المالية.

ويرى لعسري، وفق ما نقله لموقعنا، أن الفصل 49 من دستور 2011 يجعل التداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية من اختصاص المجلس الوزاري، وهو ما يثير، من وجهة نظره، سؤالاً حول التسلسل الزمني والمؤسساتي بين التداول في التوجهات العامة وإصدار المنشور التوجيهي لرئيس الحكومة.
ويذهب الأستاذ الجامعي إلى أن الممارسة التي اعتمدتها الحكومات منذ دخول القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية حيز التنفيذ لم تنسجم، في تقديره، بشكل كامل مع هذه المقتضيات، معتبراً أن استمرار بعض الممارسات التي تعود إلى النظام السابق قد أفرز نوعاً من التباعد بين النص الدستوري والممارسة المؤسساتية.

ولا يقف النقاش عند حدود المسطرة، إذ يحذر لعسري من أن استمرار هذا الوضع قد يثير، بحسب تقديره، إشكالات قانونية مرتبطة ببعض مقتضيات القوانين المالية، خصوصاً تلك المتصلة بالمجالين الجبائي والجمركي، مع إقراره في المقابل بحق الحكومة الحالية في مباشرة التحضيرات الضرورية التي تفرضها استمرارية الدولة وحسن سير المرافق العمومية.

وبين الرؤيتين، يبدو أن النقاش حول مالية 2027 لا يتعلق فقط بموعد إعداد الميزانية، وإنما بحدود التوازن بين مقتضيات الاستمرارية المؤسساتية وحق الحكومة المنبثقة عن الانتخابات في ممارسة خياراتها السياسية والاقتصادية.

فالدولة مطالبة، من جهة، بأن تضمن استمرارية المرافق والالتزامات المالية وألا تجعل الاستحقاقات الانتخابية موعداً لتعطيل دورة إعداد الميزانية. وفي المقابل، تظل الانتخابات، من جهة أخرى، آلية لإنتاج أغلبية وحكومة جديدة يفترض أن تمتلك هامشاً حقيقياً لترجمة برنامجها إلى سياسات عمومية واختيارات مالية.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي أمام إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 قد لا يكون في مباشرة التحضير له في وقت مبكر، بقدر ما يكمن في الحفاظ على التوازن بين ما تفرضه استمرارية الدولة وما تتيحه الديمقراطية من إمكانية تغيير الأولويات والاختيارات.

وفي نهاية المطاف، يبقى احترام الاختصاصات والمساطر الدستورية الضمانة الأساسية حتى لا يتحول الإعداد المبكر للميزانية من ضرورة مؤسساتية إلى قيد سياسي على الحكومة التي ستنبثق عن صناديق الاقتراع، وحتى تظل مالية الدولة في الوقت نفسه بمنأى عن منطق الانتظار الذي قد يربك استمرارية المرفق العمومي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة