الساحل بريس / الصغير محمد
في علم السياسة، لا توجد فراغات. عندما يتراجع فاعل، يتقدم آخر. وعندما ينتقل اسم وازن من حزب إلى آخر، فإن السؤال لا يكون من ربح شخصا أو خسره، بل من أعاد رسم ميزان القوة داخل المجال السياسي. لذلك، فإن ما تشهده الداخلة اليوم لا يتعلق بانتقال أمبارك حمية إلى حزب الاستقلال فقط، ولا ببروز أسماء جديدة داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، ولا حتى بحسم حزب الأصالة والمعاصرة مبكرا في مرشحه. ما يحدث أكبر من ذلك بكثير، لأنه يتعلق بإعادة تشكيل السلطة السياسية داخل جهة ظلت لسنوات محكومة بتوازنات دقيقة بين الأحزاب والأعيان والمؤسسات.
المشهد السياسي في الداخلة يعيش اليوم لحظة انتقالية. واللحظات الانتقالية في السياسة تكون دائما الأكثر غموضا، لأن القديم لم يغادر بعد، والجديد لم يكتمل تشكله. ولهذا تبدو التحركات الحالية وكأنها منفصلة عن بعضها، بينما هي في الواقع أجزاء من لوحة واحدة، عنوانها البحث عن موقع متقدم قبل لحظة الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.
انتقال أمبارك حمية إلى حزب الاستقلال ليس حدثا عاديا في هذا السياق. فالسياسيون لا يغيرون مواقعهم فقط لأن أبوابا جديدة فتحت أمامهم، بل لأنهم يعتقدون أن مواقعهم القديمة لم تعد تحقق لهم ما كانوا ينتظرونه. لذلك، فإن الانتقال في هذا التوقيت يطرح سؤالا سياسيا أكثر من كونه سؤالا تنظيميا: هل أصبح حزب الاستقلال يرى في الداخلة فرصة لاستعادة دور كان غائبا؟ أم أن الرجل قرأ المشهد بطريقة مختلفة، وقرر أن يخوض الانتخابات من موقع جديد يعتقد أنه أكثر قدرة على المنافسة؟
وفي الجهة المقابلة، يجد حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه أمام أول اختبار حقيقي منذ سنوات داخل وادي الذهب. فقبل أيام فقط، كان رئيس الحزب محمد شوكي يرفع يدي أمبارك حمية ومحمد الأمين حرمة الله في مشهد يعكس وحدة الصف واستقرار الاختيارات. لكن السياسة لا تتوقف عند الصور، بل تبدأ بعدها. واليوم، ومع تداول أخبار عن احتمال مراجعة الحزب لتزكيته في وادي الذهب، وبروز اسم محمد الأمين حرمة الله كأحد أبرز المرشحين المحتملين، يبدو أن الحزب قد يكون أمام مرحلة إعادة ترتيب داخلية، إذا تأكدت هذه المعطيات بقرار رسمي.
غير أن السؤال الأهم ليس من سيكون مرشح التجمع الوطني للأحرار، وإنما هل يمتلك الحزب من القوة التنظيمية ما يسمح له بتحويل أي مرشح إلى قوة انتخابية، أم أن المعركة ستظل رهينة بالأوزان الشخصية؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي الذي تواجهه الأحزاب المغربية كلما اقترب موعد الانتخابات.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فيدخل هذه المرحلة من موقع مختلف. فالخطاط ينجا لا يتحرك كمرشح يبحث عن التعريف بنفسه، بل كفاعل سياسي راكم تجربة طويلة في إدارة التوازنات المحلية، وبنى شبكة نفوذ تمتد من المؤسسات المنتخبة إلى النسيج الاجتماعي والاقتصادي. وهذه القوة لا تقاس فقط بعدد المؤيدين، بل بقدرته على الحفاظ على تماسك محيطه السياسي في لحظات التحول، وهي المهمة الأصعب في أي استحقاق انتخابي.
وفي زاوية أخرى من المشهد، يواصل صلوح الجماني إرسال إشارات تؤكد أنه لا ينوي مغادرة الساحة السياسية. فالرجل يدرك أن السياسة ليست سباقا قصير المسافة، وإنما تراكم مستمر للحضور والتأثير، حتى في الفترات التي تبدو فيها الأضواء مسلطة على أسماء أخرى.
لكن الخطأ الأكبر سيكون في اختزال هذا المشهد في منافسة بين أربعة أسماء. فالانتخابات المقبلة في الداخلة لن تحسمها الشخصيات وحدها، بل سيحسمها السؤال الذي يواجه كل الأحزاب: من يملك المشروع الأكثر قدرة على إقناع الناخب بأن المرحلة المقبلة تحتاج إليه؟
لقد تغيرت الداخلة خلال السنوات الأخيرة اقتصاديا وعمرانيا وديمغرافيا. ومع هذا التغير، تغيرت أيضا طبيعة الناخب. لم يعد يبحث فقط عن الوجوه المعروفة، بل أصبح يقارن بين الأداء والوعود، وبين النفوذ والإنجاز، وبين الحضور الإعلامي والقدرة الفعلية على الدفاع عن مصالح الجهة داخل المؤسسات الوطنية.
لهذا، فإن الانتخابات المقبلة لن تكون مجرد منافسة بين الاستقلال والأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، بل ستكون مواجهة بين قراءتين لمستقبل الداخلة. قراءة ترى أن استمرار الوجوه التي قادت المرحلة السابقة هو ضمان للاستقرار، وقراءة أخرى تعتبر أن التحولات التي تعرفها الجهة تستوجب إعادة ترتيب القيادة السياسية بما يواكب المرحلة الجديدة.
وربما لهذا السبب بالذات تبدو الداخلة اليوم أكثر إثارة من أي وقت مضى. فالمعركة لم تبدأ بعد رسميا، لكن الجميع يتحرك وكأنها انطلقت. والتحالفات لم تنفرط بالكامل، لكنها لم تعد بالصلابة نفسها. والأسماء لم تعلن جميعها، لكن كل التحركات توحي بأن الأيام المقبلة قد تحمل مفاجآت قادرة على تغيير المشهد بأكمله.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: من سيفوز بمقعد وادي الذهب؟ بل: أي مشروع سياسي سيقنع سكان الداخلة بأنه الأقدر على قيادة مرحلة جديدة، في جهة لم تعد تقبل بأن تكون مجرد هامش في السياسة المغربية، بل أصبحت أحد مراكزها المؤثرة.













