من رفوف المتاجر في أوروبا إلى أسواق الولايات المتحدة وأستراليا، بدأ السردين المعلب يفقد شيئا من حضوره المعتاد. أصناف تختفي، خيارات تتقلص، وأسعار تتحرك صعودا، في مشهد يعكس اضطرابا متزايدا في سوق منتج غذائي كان إلى وقت قريب من أكثر مصادر البروتين سهولة وأقلها كلفة.
وفي خلفية هذا الاضطراب، يبرز المغرب باعتباره أحد اللاعبين الرئيسيين في سوق السردين العالمية، في وقت تواجه فيه المصايد ضغوطا متزايدة أثرت على حجم المصطادات وتوفر المادة الخام الموجهة إلى وحدات التعليب.
وتشير معطيات متداولة داخل القطاع إلى أن تراجع كميات السردين في عدد من مناطق الصيد يرتبط بمجموعة من العوامل البيئية والمهنية، من بينها ارتفاع حرارة مياه المحيط والتغيرات التي طرأت على العوالق البحرية، فضلا عن الضغط المتواصل على الموارد السمكية خلال السنوات الماضية.
ولا تتوقف تداعيات هذا الوضع عند موانئ الصيد، إذ تنتقل مباشرة إلى مصانع التعليب التي تحتاج إلى إمدادات منتظمة من السردين لضمان استمرار خطوط الإنتاج. ومع تقلص الكميات وتراجع أحجام الأسماك في بعض المناطق، أصبحت المنافسة على المادة الخام أكثر حدة.
وفي هذا السياق، اتخذ المغرب، مطلع فبراير الماضي، خطوة لافتة بإخضاع تصدير السردين الطازج والمبرد والمجمد لنظام تراخيص خاص، في إطار توجه يرمي إلى تأمين حاجيات السوق الوطنية والحفاظ على توازن التموين والأسعار الداخلية.
لكن القرار كانت له ارتدادات خارج الحدود، خصوصا في أوروبا، حيث تعتمد وحدات صناعية على السردين المغربي المجمد لتأمين جزء من حاجياتها من المادة الأولية. وتأتي إسبانيا في مقدمة الأسواق التي تراقب هذه التحولات عن كثب، بالنظر إلى أهمية السردين المغربي بالنسبة إلى قطاعها التحويلي.
وفي الوقت نفسه، جاءت الضغوط على العرض متزامنة مع ارتفاع الطلب العالمي على السردين المعلب. فقد ساهم انتشار محتوى غذائي واسع على منصات التواصل الاجتماعي في إعادة تسويق السردين باعتباره مصدرا عمليا للبروتين وأحماض أوميغا 3، الأمر الذي عزز الإقبال عليه في عدد من الأسواق.
المعادلة تبدو اليوم واضحة: مادة خام أقل، قيود أكبر على تصديرها، وطلب عالمي يتجه إلى الارتفاع.
وبين هذه العوامل، يتحول السردين من منتج غذائي بسيط إلى سلعة تخضع لضغوط بيئية وتجارية متشابكة، فيما تجد صناعة التعليب نفسها أمام تحدي تأمين المادة الخام واستقرار الإمدادات.
وبالنسبة إلى المغرب، لا يتعلق الأمر فقط بتراجع كميات الصيد، بل بتداعيات تمتد إلى صناعة التعليب والتصدير والأسواق الدولية، ما يجعل تطورات قطاع السردين خلال المرحلة المقبلة محط متابعة واسعة، خصوصا في ظل استمرار التغيرات التي يعرفها الوسط البحري والطلب العالمي المتزايد.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل نحن أمام اضطراب مؤقت في سوق السردين، أم بداية مرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة هذه الصناعة عالميا؟













