المغرب في قلب الشراكات البحرية الأوروبية: أربعة عقود من التحول نحو صيد مستدام

هيئة التحرير7 يناير 2026آخر تحديث :
المغرب في قلب الشراكات البحرية الأوروبية: أربعة عقود من التحول نحو صيد مستدام

أبرزت دراسة علمية حديثة نشرتها مجلة Nature مكانة المغرب كفاعل محوري داخل منظومة اتفاقيات الصيد البحري التي أبرمها الاتحاد الأوروبي مع بلدان الجنوب على مدى خمسة وأربعين عامًا، مؤكدة أن المملكة شكلت منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي أحد أعمدة هذه الشراكات من حيث حجم التمويل، وطبيعة الموارد البحرية المستغلة، ومسار تطور نماذج الصيد المعتمدة.

وكشفت الدراسة أن المغرب، إلى جانب موريتانيا، تصدّر قائمة الدول المستفيدة من الدعم الأوروبي المخصص لاتفاقيات الصيد، إذ استحوذ البلدان معًا على ما يقارب 73,3 في المائة من مجموع الاعتمادات المرصودة منذ سنة 1979، أي ما يعادل 3,5 مليارات يورو من أصل 4,8 مليارات. وضمن هذا الإجمالي، نال المغرب وحده 32,4 في المائة من مجموع التمويل، ما يعكس ثقله الاستراتيجي داخل السياسة البحرية الأوروبية.

وسجلت المملكة أعلى مستوى لما وصفته الدراسة بـ«كثافة الدعم»، بمعدل 2,83 يورو عن كل وحدة حمولة بحرية، وهو المعدل الأعلى بين الدول الشريكة للاتحاد الأوروبي. كما أن الجزء الأكبر من هذا الدعم، بنسبة 83,4 في المائة، وُجّه إلى صيد الأسماك السطحية الصغيرة، من قبيل السردين والإسقمري والأنشوجة والحبار، وهي أصناف تُصنَّف علميًا ضمن “الأسماك العلفية” ذات الدور الحيوي في الحفاظ على توازن النظم البيئية البحرية.

وأوضحت الدراسة أن الدول التي تتوفر على مخزونات وافرة من هذه الأصناف، وفي مقدمتها المغرب وموريتانيا، كانت الأكثر استفادة من التمويلات الأوروبية، حيث تُستغل هذه الموارد بالمغرب عبر أساطيل الصيد بالجر السطحي والصيد بالتحويط، المعروفة بقدرتها الإنتاجية العالية خلال فترات زمنية وجيزة.

كما سجلت حضورًا وازنًا للأسطول الإسباني داخل مناطق الصيد المغربية، لاسيما في استغلال الأصناف السطحية الصغيرة والموارد القاعية، حيث عرفت الفترة الممتدة بين 2008 و2024 نشاطًا ملحوظًا لسفن الجر القاعي والسفن متعددة التجهيزات والشباك والخيوط، مقابل حضور محدود لسفن الصيد السطحي الطويل.

ورصدت الدراسة تحولًا بنيويًا لافتًا بين منتصف تسعينيات القرن الماضي والسنوات الأخيرة. ففي موسم 1995–1996 بلغت التعويضات المالية نحو 127 مليون يورو مع تشغيل 514 سفينة ركزت أساسًا على الصيد القاعي، بينما لم تتجاوز حصص صيد الأسماك السطحية آنذاك 60 ألف طن. أما في سنة 2023، فقد تراجعت التعويضات إلى 42,4 مليون يورو، وانخفض عدد سفن الصيد القاعي إلى 61 سفينة فقط، مقابل ارتفاع كبير في حصص صيد الأسماك السطحية التي بلغت 185 ألف طن، موزعة بين 85 ألف طن لفائدة السفن الصغيرة و100 ألف طن مخصصة للسفن الصناعية الكبرى.

ويعكس هذا المسار، بحسب الدراسة، انتقال المغرب التدريجي نحو نموذج صيد أكثر توازنًا واستدامة، يقوم على حماية المخزون البحري، وتعزيز التصنيع البحري داخل الموانئ الوطنية، ورفع القيمة المضافة، وخلق فرص الشغل، بما يرسخ موقع المملكة كفاعل منظم داخل الاقتصاد البحري الأطلسي وشريك استراتيجي أساسي في الاتفاقيات البحرية الأوروبية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة