المغرب يدفع ثمن البلاستيك.. فاتورة التلوث تتجاوز 1.2 مليار دولار سنويا

هيئة التحريرمنذ 44 دقيقةآخر تحديث :
المغرب يدفع ثمن البلاستيك.. فاتورة التلوث تتجاوز 1.2 مليار دولار سنويا

لم يعد البلاستيك في المغرب مجرد نفايات عابرة تتراكم في الشوارع أو تشوه الشواطئ والمناظر الطبيعية، بل تحول إلى كلفة اقتصادية وبيئية متصاعدة، تنذر بأن يصبح التخلص من آثاره أكثر كلفة من الوقاية منه.

وتكشف معطيات تقرير حديث لمنظمة “غرينبيس”، يحمل عنوان “الثمن الخفي للبلاستيك”، أن الأضرار المرتبطة بالتلوث البلاستيكي تكلف المغرب نحو 1.2 مليار دولار سنويا، أي ما يعادل حوالي 0.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

غير أن الرقم قد لا يعكس الحجم الكامل للكلفة، إذ ركز التقرير على الأضرار البحرية المسجلة بمحاذاة الساحل المتوسطي للمملكة، الممتد على نحو 393 كيلومترا، من دون احتساب الخسائر المحتملة على الساحل الأطلسي، الذي يحتضن الجزء الأكبر من السكان والأنشطة الاقتصادية والصناعية.

وبحسب السيناريوهات التي أوردها التقرير، فإن استمرار الوضع بالوتيرة الحالية قد يجعل الفاتورة أكثر ثقلا بحلول سنة 2040، حيث يمكن أن تتراوح الكلفة التراكمية للتلوث البلاستيكي بين 13.4 و44.3 مليار دولار، بمتوسط يناهز 22 مليار دولار.

ويرتبط هذا السيناريو بارتفاع كميات النفايات التي لا تخضع لتدبير ملائم، وتزايد حجم البلاستيك الذي يجد طريقه إلى البحر، فيما تصبح عملية جمع النفايات المتراكمة في البيئة البحرية، ولا سيما في قاع البحر، أكثر تعقيدا وكلفة مع مرور الوقت.

وتكشف أرقام إنتاج النفايات حجم التحدي بشكل أوضح. فالمغرب ينتج سنويا نحو 3.97 ملايين طن من النفايات الصلبة، من بينها حوالي 422 ألف طن من المواد البلاستيكية. ويقدر التقرير حجم النفايات البلاستيكية التي يجري تدبيرها بشكل غير سليم بنحو 250 ألف طن، بينما ينتهي حوالي 75 ألف طن منها سنويا في البحر.

ويمثل هذا الرقم نحو 17.8 في المائة من إجمالي البلاستيك المنتج وطنيا، بما يعكس حجم الثغرات التي لا تزال قائمة في منظومة جمع النفايات وفرزها ومعالجتها.

وتظهر إحدى أبرز نقاط الضعف في الفارق الكبير بين الوسط الحضري والمجال القروي. ففي سنة 2019، بلغت نسبة جمع النفايات في المدن حوالي 96 في المائة، مقابل 10 في المائة فقط في المناطق القروية، وهو ما يكشف محدودية استفادة عدد كبير من التجمعات السكانية خارج المدن من خدمات تدبير النفايات.

ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود البيئة، بل تمتد إلى مالية الجماعات الترابية. فقد وصلت نفقات تدبير النفايات إلى ما يقارب 28 في المائة من الميزانيات الإجمالية لبعض الجماعات الحضرية إلى حدود سنة 2020، في وقت تراكمت فيه فواتير وديون غير مؤداة لفائدة الشركات المفوض لها تدبير هذا القطاع.

وفي القطاع الصناعي، يبرز التقرير مفارقة أخرى، إذ تعتمد شركات تحويل البلاستيك في المغرب بنسبة تصل إلى 70 في المائة على المواد الأولية المستوردة، مقابل توجيه حوالي 9 في المائة فقط من إنتاجها إلى الأسواق الخارجية.

وترى “غرينبيس” أن تقليص الاعتماد على البلاستيك البكر لا ينبغي النظر إليه باعتباره عبئا على الصناعة الوطنية، بل يمكن أن يتحول إلى فرصة اقتصادية، من خلال خفض الواردات وتشجيع استخدام مواد وبدائل أكثر استدامة، خصوصا أن المغرب لا يتوفر على صناعة بتروكيماوية محلية لإنتاج البوليمرات الخام.

وعلى المستوى التشريعي، سبق للمغرب أن اتخذ عددا من الإجراءات لتنظيم استعمال الأكياس البلاستيكية، بدءا بالقانون 22.10 الصادر سنة 2010، وصولا إلى القانون 77.15 لسنة 2015، المرتبط بمبادرة “زيرو ميكا”.

لكن الترسانة القانونية، بحسب التقرير، لم تكن كافية وحدها لإنهاء المشكلة، في ظل استمرار اختلالات مرتبطة بضعف الفرز من المصدر ومحدودية قدرات إعادة التدوير.

وتقترح المنظمة، في هذا السياق، إعادة تشغيل مراكز الفرز المتوقفة، وتوسيع خدمات جمع النفايات في المناطق القروية بما يسمح بتغطية 90 في المائة من السكان غير المستفيدين حاليا، إلى جانب توسيع نطاق تطبيق مبدأ “المسؤولية الموسعة للمنتجين” ليشمل مختلف مواد التغليف.

كما تدعو إلى توفير التمويل الضروري لتنفيذ خارطة الطريق الخاصة بإدماج العاملين في القطاع غير الرسمي لجمع وتدوير النفايات، معتبرة أن إدماج هذه الفئة لا يرتبط بالبعد البيئي فقط، وإنما يشكل أيضا جزءا من انتقال بيئي عادل يأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للفئات التي تعتمد على هذا النشاط.

ويضع التقرير الوضع المغربي ضمن أزمة أوسع يعيشها حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث تختلف كلفة التلوث البلاستيكي من بلد إلى آخر. وتأتي مصر في مقدمة الدول الثلاث التي تناولها التقرير من حيث حجم الأضرار، بتكلفة سنوية تتراوح بين 0.74 و3.1 مليارات دولار، فيما يساهم نهر النيل بنحو ربع كمية البلاستيك التي تصل إلى البحر الأبيض المتوسط.

أما تونس، فتقدر تكلفة الأضرار الناجمة عن التلوث البلاستيكي فيها بحوالي 400 مليون دولار سنويا، رغم تسجيلها أداء أفضل في مجال إدارة النفايات مقارنة بالدول الثلاث التي شملها التقرير، فضلا عن عدم توفرها هي الأخرى على إنتاج محلي للبلاستيك البكر.

وبذلك، يبدو أن معركة المغرب مع البلاستيك لم تعد مجرد معركة لتنظيف الشواطئ أو التخلص من النفايات المتراكمة، بل أصبحت اختبارا لقدرة منظومة تدبير النفايات على الانتقال من منطق معالجة آثار التلوث بعد وقوعه إلى منطق الوقاية منه قبل أن يصل إلى البيئة.

فكل طن من البلاستيك الذي لا يجد طريقه إلى الجمع والفرز والتدوير اليوم، قد يتحول غدا إلى فاتورة اقتصادية وبيئية أكبر، وما يبدو في الحاضر مجرد نفاية صغيرة قد يصبح جزءا من كلفة وطنية تتضخم مع مرور السنوات.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة