الساحل بريس / الصغير محمد
في المشهد الاقتصادي للواجهة الأطلسية، تبدو الأرقام لامعة على الورق بقدر ما هي صادمة حين تُقاس على الأرض. خمسون مليار سنتيم من العائدات السنوية المرتبطة بقرى الصيد البحري، رقم يفترض أن يعكس دينامية تنموية واضحة في البنية الاجتماعية لهذه الفضاءات. لكن المفارقة التي تطرح نفسها بإلحاح ليست في حجم الرقم، بل في أثره الغائب… وكأن الثروة تمر من هناك دون أن تترك أثرها في حياة من ينتجونها.
ما أثاره البرلماني عبد الفتاح أهل المكي حول عائدات قرى الصيد البحري يعيد فتح سؤال قديم/جديد في السياسات العمومية: من يستفيد فعلياً من الاقتصاد البحري في امتداداته الاجتماعية؟ فحين نتحدث عن 50 مليار سنتيم، فنحن لا نتحدث عن رقم هامشي، بل عن كتلة مالية كفيلة بإحداث تحولات ملموسة في نمط العيش داخل هذه القرى، لو وُجهت بشكل مباشر أو غير مباشر نحو التنمية المحلية.
لكن الواقع، كما تشير المعطيات الميدانية المتداولة، يكشف عن مفارقة صارخة: بنية تحتية هشة، سكن في شكل أكواخ مؤقتة، خصاص حاد في الماء الصالح للشرب، وضعف في الخدمات الصحية والتعليمية، فضلاً عن غياب أسواق منظمة تتيح للبحارة فضاءً اقتصادياً مستقراً خارج موسم العمل.
هذه المفارقة ليست مجرد خلل ظرفي، بل تعكس إشكالية أعمق في منطق تدبير الثروة البحرية. فالبحّار، الذي يشتغل على مدار السنة في واحدة من أكثر القطاعات شدة ومخاطرة، يظل في كثير من الحالات خارج معادلة التنمية التي يفترض أنه أحد محركاتها الأساسية. هنا يصبح السؤال أكثر حدة: كيف يمكن لاقتصاد أن يحقق عائدات مهمة دون أن ينعكس ذلك على شروط عيش الفاعلين فيه؟
الخلل، في جوهره، لا يتعلق فقط بحجم الموارد، بل بطريقة توزيعها وتوجيهها. فغياب رؤية تنموية مدمجة لقرى الصيد يجعل هذه الفضاءات تتحول إلى نقاط إنتاج معزولة عن محيطها الاجتماعي. في حين أن منطق التنمية يفترض العكس تماماً: أن تكون هذه القرى نواة لاستقرار بشري وخدماتي متكامل.
ومن زاوية تحليل السياسات العمومية، فإن استمرار هذا الوضع يطرح إشكالية الحكامة القطاعية وتعدد المتدخلين دون تنسيق فعلي. فبين القطاع الوصي، والجماعات المحلية، والغرف المهنية، تتشتت المسؤوليات، بينما يبقى المواطن البحّار في قلب دائرة الانتظار.
إن إعادة توجيه جزء من هذه العائدات نحو مشاريع ملموسة—كسكن لائق موسمي أو دائم، تزويد منتظم بالماء والكهرباء، تجهيزات صحية وتعليمية، وأسواق قرب مراكز الإنتاج—ليس مجرد مطلب اجتماعي، بل شرط لإعادة التوازن بين الثروة المنتجة والعدالة المجالية.
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بسؤال “أين تذهب 50 مليار سنتيم؟”، بل بسؤال أعمق: كيف تتحول الثروة من رقم في التقارير إلى حياة قابلة للعيش في الأرض التي تنتجها؟













