كلمات معدودة أشعلت الأسئلة.. ماذا وراء لقاء الخطاط ينجا ومحمد الأمين حرمة الله؟

هيئة التحرير15 أغسطس 2026آخر تحديث :
كلمات معدودة أشعلت الأسئلة.. ماذا وراء لقاء الخطاط ينجا ومحمد الأمين حرمة الله؟

الساحل بريس/ الصغير محمد

يقال في السياسة: «لا أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، بل مصالح دائمة». ولعل هذه الحكمة تجد في المشهد السياسي بجهة الداخلة وادي الذهب ما يجعلها أكثر من مجرد قول متداول، خصوصا في مرحلة انتخابية بدأت فيها التحالفات القديمة تفقد كثيرا من صلابتها، وبدأت معها ملامح جديدة في الظهور، بين انتقالات حزبية وتقاربات محتملة ولقاءات تفتح باب التأويل وحسابات انتخابية لا تزال بعيدة عن الكشف الكامل.

بالأمس القريب، كان التحالف الثلاثي الذي جمع حزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار، في امتداد للتحالف الحكومي، قد وجد طريقه إلى عدد من المجالس المنتخبة، ومن بينها مجلس جهة الداخلة وادي الذهب. غير أن مسار الولاية الانتدابية أظهر أن التحالفات لا تعيش دائما على إيقاع واحد، إذ تحولت في مراحل معينة إلى خلافات ومعارضة من داخل المؤسسات المنتخبة نفسها، ولم يكن المجلس الجهوي وحده ساحة لهذه التجاذبات، بل امتدت أيضا إلى المجلس الجماعي، وهي وقائع وثقتها عدسات الصحافة خلال عدد من الدورات، بما يجعل العودة إليها ضرورية لفهم طبيعة العلاقات السياسية التي حكمت المرحلة السابقة.

واليوم، بعد أن تغيرت مواقع عدد من الفاعلين، يبدو أن المشهد أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأوراق. رحيل امبارك حمية عن حزب التجمع الوطني للأحرار والتحاقه بحزب الاستقلال، في وقت ما يزال فيه اسم المرشح الذي سيخلفه داخل حزب الأحرار موضع انتظار، يقابله انتقال الخطاط ينجا وعدد كبير من المنتخبين من حزب الاستقلال إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وهي تحولات لا يمكن اختزالها في مجرد تغيير للانتماء الحزبي، لأنها تعيد توزيع الأوزان داخل المشهد المحلي وتفتح المجال أمام حسابات جديدة تتعلق بالترشيحات والتحالفات والقدرة على استقطاب القاعدة الانتخابية.

ومع اقتراب الاستحقاقات، بدأت التقاربات تطرق أبواب المرشحين، فصور هنا وهناك، ولقاءات ثنائية، وتحركات ميدانية لكل مرشح داخل حزبه، كلها تفاصيل قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تصبح ذات دلالة عندما يتعلق الأمر بشخصيات توجد في صلب المنافسة السياسية المقبلة.

ولعل الكلمات المعدودة التي تبادلها الخطاط ينجا ومحمد الأمين حرمة الله في لقاء ظهر للعلن، كانت كافية لفتح باب واسع من التساؤلات. هل كان الأمر مجرد لقاء عابر فرضته المناسبة؟ أم أن المشهد يحمل مؤشرات أولية على تقارب سياسي قد تتضح معالمه أكثر خلال المرحلة المقبلة؟

من الصعب، بطبيعة الحال، بناء استنتاج سياسي حاسم على لقاء أو حديث قصير. فاللقاء ليس اتفاقا، والمصافحة ليست تحالفا، والكلمات العابرة لا تعني بالضرورة تغيرا في الاصطفافات. غير أن السياسة الانتخابية تجعل حتى التفاصيل الصغيرة قابلة للقراءة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشخصيات توجد في قلب المنافسة السياسية المحلية.

السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن التقى بمن، وإنما بما إذا كانت هذه اللقاءات تعكس بالفعل محاولة لإعادة بناء جسور سياسية بين أطراف كانت علاقتها خلال المرحلة السابقة محكومة بالتنافس والخلاف. فالمشهد الحالي لا يشبه كثيرا ما كان عليه قبل أشهر، والانتقالات الحزبية الأخيرة جعلت كثيرا من الحسابات قابلة لإعادة النظر.

ومع اقتراب موعد الاستحقاقات، يبرز سؤال أكبر: هل ستبقى التحالفات التي حكمت المرحلة السابقة قائمة رغم تغير المواقع والأسماء؟ وهل يمكن أن تستمر الصيغة نفسها بعد انتقال عدد من المنتخبين من حزب إلى آخر؟ أم أن التحولات الأخيرة ستدفع نحو تفاهمات جديدة تتجاوز ما كان قائما وتنتج خريطة سياسية مختلفة داخل المجالس المنتخبة؟

لا توجد إجابة جاهزة، لأن السياسة المحلية لا تتحرك دائما وفق الحسابات الحزبية المركزية. ففي كثير من الأحيان، تكون للحسابات المحلية والشخصية والانتخابية قدرة أكبر على تحديد اتجاه التحالف من أي توافق معلن بين القيادات.

فالسياسة لا تعرف دائما الصديق والخصم بالمعنى الثابت، وإنما تعرف المواقع وموازين القوة. ومن كان بالأمس في موقع المواجهة قد يجد نفسه غدا في موقع التفاهم، ومن كان حليفا بالأمس قد يصبح خصما عندما تتغير الحسابات. وليس في ذلك بالضرورة خروج عن المنطق السياسي، لأن التحالفات الانتخابية ليست علاقات شخصية دائمة، وإنما ترتيبات قابلة للتغير كلما تغيرت موازين القوى.

وإذا كانت التحالفات مهمة في تشكيل المؤسسات، فإنها لا تكفي وحدها لصناعة النتيجة الانتخابية. فقوة الأحزاب لا تقاس بكثرة الحضور في الملتقيات، ولا بعدد الصور المنشورة، وإنما بمدى قدرة المرشح على الوصول إلى المواطن وإقناعه والتأثير في اختياره.

فالناخب قد يتبع الحزب، لكنه قد يتبع الشخص أيضا، وقد يغير اختياره إذا تغير المرشح، وقد يحتفظ بولائه لشخص رغم انتقاله إلى حزب آخر، وهو ما يجعل انتقال الأسماء بين الأحزاب أكثر تعقيدا من مجرد افتراض انتقال الأصوات معها.

والقاعدة الانتخابية في الداخلة ليست كتلة ثابتة يمكن التعامل معها بمنطق الحسابات الجامدة، بل هي قاعدة متحركة تتأثر بالأشخاص والعلاقات والتحولات والظروف. وقد يكون الناخب في اتجاه معين اليوم ثم يعيد حساباته غدا، وهو ما يجعل قراءة المزاج الانتخابي قبل يوم الاقتراع مهمة صعبة.

لذلك فإن كثرة الظهور الإعلامي قد تصنع انطباعا بالقوة، لكنها لا تعني بالضرورة امتلاك القوة الانتخابية الحقيقية، كما أن غياب بعض الوجوه عن المشهد الإعلامي لا يعني بالضرورة ضعف حضورها داخل المجتمع.
وقد ينجح مرشح في صناعة صورة سياسية قوية، ثم يكتشف يوم الاقتراع أن الصورة لم تكن مطابقة للواقع. وقد يبدو حزب في أوج حضوره التنظيمي والإعلامي، لكنه يفاجأ بأن القاعدة الانتخابية لم تتحرك بالسرعة نفسها.

فالانتخابات لا تُحسم بعدد الصور ولا بعدد المصافحات ولا بحجم الحضور في الملتقيات، وإنما بالورقة التي يضعها الناخب داخل الصندوق. وما بين الصورة والصندوق توجد مساحة واسعة للتحولات والمفاجآت، تتحرك فيها الكواليس، وتُختبر التحالفات، وتُقاس شعبية المرشحين، وتُراجع الحسابات.

وفي هذه المساحة بالذات قد تتغير أشياء كثيرة لا تظهر للعلن.
لهذا تبدو الخريطة السياسية في الداخلة اليوم مفتوحة على أكثر من احتمال. فالانتقالات التي عرفها المشهد، والانتظار المرتبط ببعض الترشيحات، واللقاءات التي بدأت تثير الانتباه، كلها عناصر تجعل من المبكر الحديث عن تحالفات نهائية أو نتائج محسومة.

ما يجري حاليا أقرب إلى مرحلة اختبار للمواقع وقياس للقوة واستكشاف للفرص. وفي مثل هذه المرحلة تصبح الكواليس جزءا من المشهد، حتى وإن كانت لا تظهر للعموم.

وقد يكون اللقاء الذي جمع الخطاط ينجا ومحمد الأمين حرمة الله مجرد لقاء عابر، وقد يكون وراءه ما هو أكبر. وقد تتطور التقاربات الحالية إلى تفاهمات لم تكن متوقعة، وقد تتبدد كلها بمجرد أن تتغير الحسابات.

وحده الزمن السياسي القريب سيكشف ذلك، لكن المؤكد أن الانتخابات المقبلة لن تكون مجرد منافسة بين أحزاب تحمل أسماء مختلفة، بل ستكون أيضا اختبارا لمدى قدرة كل مرشح على تحويل رصيده الشخصي والسياسي إلى أصوات فعلية.

السياسة لا ثقة فيها بالمعنى الذي يجعل التحالف أبديا أو الخصومة دائمة، لأن ما يحدد المواقع في النهاية هو تغير المصالح وموازين القوة. لكن الناخب يظل خارج هذه الحسابات كلها، لأنه يستطيع أن يرفض كل السيناريوهات التي تُكتب باسمه دون أن يكون طرفا فيها.
ولذلك لا ينبغي أن تغري المتابع صور التقارب، كما لا ينبغي أن تدفعه صور الخصومة إلى الاعتقاد بأن كل شيء محسوم. فالمشهد الذي تراه الكاميرات ليس سوى الجزء الظاهر من لعبة سياسية أكبر، وما يجري في الكواليس قد يغير كثيرا مما نراه في العلن.

وفي النهاية، قد تتغير الأحزاب، وقد تنتقل الأسماء، وقد يتحول خصم الأمس إلى صديق الغد، وقد يعود الحليف إلى موقع الخصومة، وقد تولد تحالفات جديدة من رحم خلافات قديمة، لكن يبقى السؤال الأهم معلقا إلى يوم الاقتراع: هل تستطيع التحالفات والتقاربات السياسية أن تصنع إرادة الناخب، أم أن الناخب هو الذي سيعيد، بصوته، صناعة التحالفات والخريطة السياسية من جديد؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة