من عباس الفاسي إلى أخنوش .. الحكومات تتغير والأزمات تتكرر

هيئة التحريرمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
من عباس الفاسي إلى أخنوش .. الحكومات تتغير والأزمات تتكرر

الساحل بريس / الصغير محمد

في كل محطة انتخابية، يتجدد الأمل في التغيير، وتعود الوعود الكبرى إلى الواجهة: تحسين القدرة الشرائية، خلق فرص الشغل، إصلاح التعليم، إنقاذ الصحة، ومحاربة الفساد. تتغير الوجوه، وتتبدل التحالفات، وتُرفع شعارات جديدة، لكن ما إن تمر السنوات حتى يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: لماذا تبدو الأزمات في المغرب وكأنها تعيش معنا مهما تغيرت الحكومات؟

من حكومة عباس الفاسي إلى حكومة عزيز أخنوش، تعاقبت تجارب سياسية مختلفة في الخطاب والأسلوب والمرجعية، لكنها اصطدمت جميعها تقريباً بالمعضلات ذاتها: البطالة، غلاء المعيشة، هشاشة الخدمات العمومية، واتساع فجوة الثقة بين المواطن والسياسة.

خلال فترة عباس الفاسي، كانت البلاد تعيش على وقع احتقان اجتماعي متزايد سبق حراك 20 فبراير، حيث ارتفعت الانتقادات المرتبطة بالبطالة وغلاء الأسعار وضعف العدالة الاجتماعية. يومها، كان الشارع يشعر بأن وتيرة الإصلاح لا توازي حجم الانتظارات، وأن لغة السياسة أصبحت بعيدة عن هموم الناس اليومية.

ثم جاءت حكومة عبد الإله بنكيران في لحظة إقليمية حساسة، مستفيدة من موجة “الربيع العربي” ومن حالة الغضب الشعبي تجاه النخب التقليدية. نجح بنكيران في بناء صورة “الرجل القريب من الشعب” عبر خطاب بسيط ومباشر، لكن حكومته وجدت نفسها أمام اختبارات صعبة، أبرزها رفع الدعم عن المحروقات وإصلاح التقاعد، وهي قرارات تركت أثراً اجتماعياً واضحاً رغم تبريرها بالحفاظ على التوازنات المالية للدولة.

أما حكومة سعد الدين العثماني، فقد بدت أقل حضوراً سياسياً وأكثر ميلاً إلى التدبير الهادئ، غير أنها واجهت بدورها انتقادات مرتبطة بضعف التواصل، وتراجع الثقة، وتدبير ملفات حساسة خلال مرحلة كورونا. ورغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها الجائحة، فإن ذلك لم يمنع تصاعد الشعور بأن الحكومة فقدت قدرتها على التأثير السياسي الحقيقي.

اليوم، تواجه حكومة أخنوش وضعاً أكثر تعقيداً، في ظل أزمة اقتصادية عالمية وارتفاع غير مسبوق للأسعار وتراجع القدرة الشرائية. لكن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالأزمة نفسها، بل أيضاً بطريقة مخاطبة الرأي العام. فالمواطن الذي تحمل وعود الحكومات المتعاقبة لم يعد يقتنع بسهولة بخطابات التبرير أو الإحالة المستمرة على الظروف الدولية، بقدر ما أصبح ينتظر نتائج ملموسة في حياته اليومية.

غير أن الخطأ الذي يتكرر في كل مرة، هو اختزال النقاش السياسي في ثنائية سطحية: حكومة ناجحة بالكامل أو حكومة فاشلة بالكامل. فالحقيقة أن الأزمات التي يعيشها المغرب اليوم ليست وليدة حكومة واحدة، بل هي تراكمات بنيوية عمرها سنوات طويلة. لذلك فإن تعليق كل الإخفاقات على شماعة الأشخاص وحدهم، أو بالمقابل تبرئة الحكومات بشكل مطلق، لا ينتج فهماً حقيقياً للمشهد.

الأخطر من ذلك، أن جزءاً من الخطاب السياسي والإعلامي أصبح يقوم على استثمار غضب المواطن بدل توعيته. هناك من يخاطب الناس بمنطق العاطفة والانفعال، ويحول معاناة المجتمع إلى مادة للمزايدات، وكأن السياسة مجرد منافسة في من يرفع صوته أكثر. وفي المقابل، ترد بعض الحكومات بلغة تقنية باردة لا تلامس الواقع النفسي والاجتماعي للمواطن.

إن السياسة ليست خطاباً وجدانياً، وليست أيضاً مجرد أرقام وتقارير. إنها قبل كل شيء قدرة على بناء الثقة، وعلى مصارحة الناس بحقيقة التعقيدات دون تضليل أو تهويل. فالمواطن لا يحتاج إلى من يغازل غضبه، بل إلى من يحترم وعيه ويقدم له تفسيراً صادقاً لما يحدث، بعيداً عن الشعبوية أو التبرير الدائم.

لهذا، فإن تقييم الحكومات ينبغي أن يتم بعقلانية، لا بمنطق التقديس أو الشيطنة. لأن الدول لا تُبنى بالشعارات، ولا تسقط بمنشور غاضب على مواقع التواصل، بل تُدار بإصلاحات عميقة وطويلة النفس، وبوعي سياسي يدرك أن تغيير الوجوه وحده لا يكفي ما لم تتغير طريقة التفكير في تدبير الشأن العام.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة