الساحل بريس/ الصغير محمد
في السياسة، لا تقاس أهمية التحولات بعدد البيانات التي تصدر بشأنها، بل بحجم الأسئلة التي تثيرها. وبعض الأحداث لا تنتهي عند لحظة وقوعها، بل تبدأ منها مرحلة جديدة من إعادة قراءة المشهد. ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى انتقال الخطاط ينجا من حزب الاستقلال إلى حزب الأصالة والمعاصرة باعتباره مجرد تغيير للانتماء الحزبي، وإنما باعتباره محطة سياسية تفتح باب التساؤل حول مستقبل التوازنات داخل جهة الداخلة وادي الذهب، وحول قدرة الأحزاب على الحفاظ على نفوذها عندما تتغير الأسماء.
ولعل السؤال الأكثر حضوراً اليوم هو: من يملأ فراغ الخطاط ينجا داخل حزب الاستقلال؟ وهو سؤال يفرض نفسه على قيادة الحزب، ويضع حمدي ولد الرشيد أمام مرحلة جديدة تتطلب إعادة ترتيب البيت الداخلي وضمان استمرارية الحضور التنظيمي والسياسي للحزب في واحدة من أهم جهاته الانتخابية.
لقد راكم الخطاط ينجا، خلال سنوات من العمل السياسي والمؤسساتي، تجربة وحضوراً جعلاه من أبرز الوجوه السياسية في جهة الداخلة وادي الذهب. ولذلك، فإن انتقاله يطرح، بطبيعة الحال، تساؤلات حول الكيفية التي سيدبر بها حزب الاستقلال هذه المرحلة، وحول الأسماء التي يمكن أن تضطلع بأدوار أكبر داخل التنظيم خلال المرحلة المقبلة.
غير أن الأحزاب السياسية، في جوهرها، تقوم على استمرارية المؤسسات وتجدد النخب، وهو ما يجعل مثل هذه التحولات جزءاً من الحياة السياسية التي تعرفها مختلف الديمقراطيات. فانتقال القيادات بين الأحزاب ليس ظاهرة جديدة، لكن تأثيره يختلف من تجربة إلى أخرى بحسب قوة التنظيم، وطبيعة حضوره الميداني، وقدرته على إنتاج قيادات جديدة.
وفي المقابل، يمثل التحاق الخطاط ينجا بحزب الأصالة والمعاصرة معطى سياسياً جديداً بالنسبة للحزب، باعتباره يعزز صفوفه بشخصية راكمت تجربة في تدبير الشأن العام. غير أن مدى انعكاس هذا التحول على الخريطة السياسية والانتخابية يبقى مرتبطاً بعوامل متعددة، من بينها طبيعة التحالفات، وسياق الاستحقاقات المقبلة، وخيارات الناخبين، وهي عناصر لا يمكن حسمها قبل الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة نقاشاً قديماً يتجدد مع كل محطة انتخابية في الأقاليم الجنوبية: إلى أي حد تؤثر الأحزاب في السلوك الانتخابي، وإلى أي حد تؤثر الشخصيات السياسية؟
هذا السؤال لا يملك إجابة واحدة، لأن الواقع السياسي يقدم نماذج مختلفة. ففي بعض الحالات استطاعت الأحزاب الحفاظ على حضورها رغم تغير الوجوه، وفي حالات أخرى لعبت الشخصيات المحلية دوراً محورياً في تشكيل التوازنات الانتخابية. لذلك، تبدو العلاقة بين الحزب والقيادة علاقة تكامل أكثر منها علاقة تنافس، حيث يمنح الحزب الإطار التنظيمي، بينما تضيف القيادات رصيدها السياسي وخبرتها الميدانية.
وفي السياسة، لا يُختبر الحزب عندما يحقق الانتصارات، بل عندما يواجه لحظات التحول. لذلك، فإن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً لقدرة حزب الاستقلال على إعادة ترتيب هياكله وتعزيز حضوره داخل جهة الداخلة وادي الذهب، كما ستكون اختباراً لحزب الأصالة والمعاصرة في استثمار هذا المعطى الجديد ضمن مشروعه السياسي والتنظيمي.
وفي النهاية، يبقى انتقال الخطاط ينجا أحد أبرز التحولات السياسية التي شهدتها الجهة في الآونة الأخيرة، لكنه يظل خطوة ضمن مسار سياسي أوسع ستحدد ملامحه التطورات المقبلة. أما الإجابة عن سؤال “من يملأ فراغ الخطاط؟” فلن تصنعها التحليلات وحدها، بل ستتضح مع مرور الوقت، ومع ما ستفرزه الدينامية الحزبية والاستحقاقات الانتخابية القادمة، باعتبارها المعيار الأبرز لقياس أثر التحولات السياسية على موازين القوى داخل الجهة.













