لم تعد الأصول المغربية مجرد تفصيل عابر في السيرة الشخصية لغادي آيزنكوت، الجنرال الإسرائيلي السابق الذي صعد من المؤسسة العسكرية إلى واجهة المعارضة السياسية، ليجد نفسه اليوم في قلب معركة مفتوحة على قيادة الحكومة الإسرائيلية ومنافسة بنيامين نتنياهو. صعود يثير الانتباه ليس فقط بسبب خلفيته العائلية، بل أيضاً بسبب مواقفه الأمنية والسياسية، التي تجعل منه أحد أبرز الوجوه الساعية إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي في إسرائيل.
وأعلن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، مساء السبت، تكليف غادي آيزنكوت، زعيم حزب «يشار» ورئيس التكتل المعارض الذي حقق أفضل نتيجة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، بتشكيل حكومة جديدة، في خطوة قد تمهد لمرحلة سياسية مختلفة، وتضع حداً لحقبة نتنياهو الممتدة في قيادة السلطة التنفيذية.
وبحسب بيان صادر عن مكتب الرئيس الإسرائيلي، فقد أبلغ هرتسوغ آيزنكوت بقراره، على أن يحتضن مقر الرئاسة بالقدس، بعد ظهر الأحد، مراسم رسمية للإعلان عن هذا التكليف.
ويبلغ آيزنكوت 66 عاماً، ولم يلج عالم السياسة بصورة رسمية إلا سنة 2022، حين دخل الكنيست عضواً عن حزب الوحدة الوطنية، قبل أن يغادره إثر خلافات أيديولوجية، ليؤسس خلال السنة الماضية حزباً وسطياً يحمل اسم «يشار»، وهي كلمة عبرية تعني المستقيم أو القويم، سرعان ما تحول إلى منصة سياسية لمواجهة نفوذ نتنياهو وحكومته.
من قيادة الجيش إلى منافسة نتنياهو
لم يأت صعود آيزنكوت من فراغ، فقد راكم الرجل تجربة عسكرية طويلة انتهت بتوليه منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، وهو ما منحه حضوراً داخل المؤسسة الأمنية، قبل أن يوظف هذه الخلفية في معركته السياسية ضد نتنياهو.
واستثمر الجنرال السابق تصاعد الغضب داخل إسرائيل عقب هجمات السابع من أكتوبر 2023، التي كشفت إخفاقات أمنية واستخباراتية غير مسبوقة، إلى جانب الانتقادات المتزايدة لرئيس الوزراء بشأن إدارته للحرب، وملفات الفساد التي ينفي الاتهامات المرتبطة بها، فضلاً عن الجدل الذي أثارته محاولاته السابقة لإجراء تغييرات في النظام القضائي.
لكن ما يمنح المواجهة بين الرجلين طابعاً أكثر تعقيداً هو أن آيزنكوت لم يكن مجرد معارض من خارج السلطة؛ فقد شارك عقب هجمات أكتوبر في مجلس الحرب الذي شكله نتنياهو، قبل أن يغادره في يونيو 2024، معلناً خلافه مع رئيس الوزراء بشأن إدارة الحرب ومستقبل الرهائن الإسرائيليين المحتجزين لدى حركة حماس.
واتهم آيزنكوت نتنياهو بالتردد في اتخاذ القرارات الضرورية للتوصل إلى اتفاق يفضي إلى تحرير الرهائن، وذهب إلى حد التشكيك في جدية رئيس الوزراء بشأن إخراج النساء والأطفال الذين اختطفتهم حماس خلال هجوم السابع من أكتوبر.
في المقابل، رد نتنياهو باتهام خصمه السابق بمعارضة خيارات عسكرية اعتبرها ضرورية لتحقيق أهداف الحرب، معتبراً أن المقترحات التي دافع عنها آيزنكوت كانت ستؤدي إلى اتفاق مع حماس وانسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة دون تحقيق الأهداف المعلنة.
ولم تتوقف المواجهة عند حدود التصريحات، إذ طالب آيزنكوت بالكشف عن محاضر اجتماعات مجلس الحرب والتصويتات التي جرت داخله، حتى يطلع الرأي العام الإسرائيلي على حقيقة المواقف والقرارات التي اتخذها مختلف المسؤولين خلال إدارة الحرب.
مأساة عائلية في قلب الحسابات السياسية
وراء الصورة العسكرية والسياسية لآيزنكوت، تختبئ مأساة شخصية تركت بصمتها على مواقفه وخياراته؛ فقد فقد ابنه الأصغر غال في دجنبر 2023، بعدما قُتل إثر انفجار شمال قطاع غزة، خلال مهمة عسكرية مرتبطة بمحاولة استعادة رفات رهينتين إسرائيليتين.
وكشف الجنرال السابق، في تصريح للإذاعة العامة الإسرائيلية، أنه لم يتمكن حتى الآن من فتح الصندوقين اللذين تسلم فيهما متعلقات ابنه، واللذين لا يزالان محفوظين داخل منزله بمدينة هرتسليا شمال تل أبيب، في تعبير عن حجم الألم الذي خلفته الخسارة داخل أسرته.
ولم تكن تلك الخسارة الوحيدة التي مست عائلته، إذ قتل أيضاً اثنان من أبناء أشقائه خلال العمليات العسكرية في غزة، وهو ما زاد من حدة انتقاداته للقيادة السياسية، التي يحملها مسؤولية الإخفاق في منع هجمات السابع من أكتوبر.
وسبق لآيزنكوت أن أكد أنه لا يستطيع تغيير ما وقع، لكنه سيعمل على أن يكون في مستوى الثمن الباهظ الذي دفعه ابنه، وهي عبارة تعكس رغبته في تقديم نفسه باعتباره سياسياً مستعداً لتحمل المسؤولية ومحاسبة المتورطين في الإخفاقات الأمنية.
تشدد أمني وخلافات بشأن مستقبل غزة والفلسطينيين
وعلى الرغم من خلافاته الحادة مع نتنياهو بشأن إدارة الحرب، فإن آيزنكوت لا يقدم نفسه باعتباره صاحب مشروع سلام أو تحول جذري في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
فقد تعهد خلال حملته الانتخابية بإنهاء حكم حماس في قطاع غزة خلال 18 شهراً إذا تولى رئاسة الحكومة، في موقف يعكس استمرار تمسكه بالمقاربة الأمنية والعسكرية، وإن اختلف مع نتنياهو بشأن الوسائل والتوقيت وطريقة تدبير الحرب.
أما بشأن الاستيطان، فيدعم توسيع الكتل الاستيطانية الكبرى، مع اشتراط احترام القانون الإسرائيلي والمصالح الوطنية، لكنه يتحفظ على بعض المشاريع المثيرة للجدل، وفي مقدمتها مخطط التوسع الاستيطاني في المنطقة المعروفة باسم «E1» شرق القدس، بسبب انعكاساته المحتملة على علاقات إسرائيل الدولية وصورتها الخارجية.
كما تعهد باتخاذ إجراءات ضد المستوطنين اليهود الذين يمارسون العنف في الضفة الغربية المحتلة، في محاولة لإظهار نفسه كقائد قادر على فرض القانون حتى داخل المعسكر الإسرائيلي نفسه.
ويضع آيزنكوت فتح تحقيق شامل في إخفاقات السابع من أكتوبر ضمن أولوياته السياسية، بما يشمل تحديد المسؤوليات داخل الأجهزة الأمنية والحكومة، في وقت تتواصل فيه الاتهامات بشأن وجود تحذيرات مسبقة من جهات خارجية، بينها الإمارات ومصر، حول احتمال وقوع هجوم انطلاقاً من قطاع غزة.
ويرفض نتنياهو هذه الاتهامات، كما يعارض تشكيل لجنة تحقيق رسمية تقودها المحكمة العليا، معتبراً أن المؤسسة القضائية قد لا تكون محايدة في التعامل مع الملف، وهو ما جعل قضية المحاسبة السياسية إحدى أبرز نقاط الاشتباك بين الطرفين.
برنامج انتخابي يلامس ملفات المجتمع الإسرائيلي الشائكة
ولا يقتصر مشروع آيزنكوت على إسقاط نتنياهو أو تغيير قيادة الحكومة، بل يمتد إلى ملفات اجتماعية واقتصادية وأمنية حساسة.
ففي برنامجه الانتخابي المكون من عشر نقاط، يطرح إجراءات لمواجهة هجرة الكفاءات الإسرائيلية إلى الخارج، من خلال برنامج طوارئ يستهدف تشجيع أصحاب المهارات العالية على البقاء داخل إسرائيل، إلى جانب تحفيز الهجرة إليها.
كما يدعو إلى إعادة النظر في نظام الإعفاء من الخدمة العسكرية الممنوح لفئات من اليهود الأرثوذكس المتشددين والعرب الإسرائيليين، مقترحاً اعتماد قانون للخدمة الشاملة يفرض على المواطنين أداء خدمة عسكرية أو وطنية أو مدنية.
ويشكل هذا المقترح أحد أكثر الملفات حساسية داخل المجتمع الإسرائيلي، بالنظر إلى المعارضة القوية التي تواجهها محاولات فرض التجنيد على فئات من اليهود المتدينين المتشددين.
المفاجأة المغربية.. من طبريا إلى سباق قيادة إسرائيل
لكن الجانب الأكثر إثارة في مسار غادي آيزنكوت، بالنسبة إلى المتابع المغربي، يظل ارتباطه العائلي بالمغرب؛ فهو من مواليد مدينة طبريا، ونشأ بمدينة إيلات، وينحدر من أسرة مغربية هاجرت إلى إسرائيل خلال خمسينيات القرن الماضي، في ظروف اقتصادية واجتماعية متواضعة.
وتنتمي عائلته إلى ما يعرف داخل المجتمع الإسرائيلي بـ«المزراحيين»، وهو توصيف يطلق على اليهود المنحدرين من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومن بينها المغرب.
وتكتسب هذه الخلفية أهمية سياسية واجتماعية بالنظر إلى الحضور الذي يمثله المكون المزراحي داخل المجتمع الإسرائيلي، وإلى النقاش المتواصل حول تمثيليته في أعلى مؤسسات القرار، خصوصاً أن رئاسة الحكومة ظلت تاريخياً بعيدة عن شخصيات تنحدر من هذه الخلفية الاجتماعية.
وفي هذا السياق، قد تمنح أصول آيزنكوت المغربية فرصة للتواصل مع شرائح انتخابية واسعة، خاصة الفئات التي ترتبط تاريخياً بحزب الليكود، والتي اعتاد نتنياهو تقديم نفسه باعتباره ممثلاً لمصالحها والمدافع عن حضورها داخل المؤسسات.
وتبرز هنا مفارقة لافتة في المنافسة بين الرجلين؛ فبينما ينحدر نتنياهو من عائلة ذات جذور أوروبية شرقية، يحمل آيزنكوت خلفية عائلية مغربية، وهو ما يضيف بعداً اجتماعياً وثقافياً إلى مواجهة تتجاوز الحسابات الحزبية التقليدية.
وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، يستخدم بعض أبناء المجتمع المزراحي تعبير «ديالينا»، أي «واحد منا» بالدارجة المغربية، عند الحديث عن آيزنكوت، في إشارة إلى شعورهم بالقرب من خلفيته العائلية والاجتماعية.
وسبق للجنرال السابق أن عبر، خلال مقابلة تلفزيونية، عن اعتزازه بأصوله المغربية وبوالديه اللذين هاجرا من المغرب، مؤكداً في الوقت ذاته أن أولويته السياسية تتمثل في ترسيخ الانتماء إلى الهوية الإسرائيلية.
وبين إرث عائلي مغربي ومسيرة عسكرية مثقلة بالحروب، وطموح سياسي يصطدم بواحد من أكثر رؤساء الحكومات إثارة للجدل في إسرائيل، يبرز اسم غادي آيزنكوت كعنوان لمرحلة سياسية جديدة، عنوانها إعادة توزيع النفوذ داخل إسرائيل.
فهل تنجح الجذور المغربية والخلفية العسكرية في فتح أبواب الحكم أمام غادي آيزنكوت، أم أن حسابات السياسة والتحالفات ستبقي نتنياهو في صدارة المشهد؟













