الساحل بريس / الصغير محمد
ليست التحولات الكبرى في الحياة السياسية تلك التي تعلن عنها نتائج الانتخابات، بل تلك التي تسبقها بصمت، حين تبدأ مراكز الثقل في الانتقال من حزب إلى آخر، وتعيد النخب السياسية تموضعها وفق قراءة جديدة لموازين القوة. ففي الأنظمة الحزبية، لا تقاس قوة التنظيم بعدد مقاعده الحالية فقط، وإنما بقدرته على استقطاب الفاعلين الذين يمتلكون مفاتيح التأثير داخل المجال الانتخابي.
ومن هذه الزاوية، تبدو التحركات التي يقودها حزب الأصالة والمعاصرة اليوم أبعد من مجرد توسيع لقاعدته التنظيمية، وأقرب إلى عملية إعادة هندسة للخريطة السياسية استعدادا لمرحلة قد تعيد تشكيل موازين الحكم في المغرب. لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلق بمن التحق بهذا الحزب أو ذاك، بل بما إذا كانت هذه التحولات تعكس بداية انتقال مركز الثقل السياسي نحو حزب يتهيأ لقيادة المرحلة المقبلة، أم أنها مجرد إعادة تموقع للنخب في موسم انتخابي اعتاد أن يعيد خلط الأوراق قبل كل استحقاق.
في هذا السياق، يبرز استقطاب الخطاط ينجا، أحد أبرز الفاعلين السياسيين في الأقاليم الجنوبية، باعتباره حدثا يتجاوز حدود الانتماء الحزبي. فالرجل ظل لسنوات يمثل أحد أهم أعمدة حزب الاستقلال في الجنوب، وارتبط اسمه بحضور انتخابي ومؤسساتي جعله رقما يصعب تجاوزه في المعادلة السياسية بالمنطقة. لذلك، فإن انتقاله إلى حزب الأصالة والمعاصرة يحمل دلالات تتجاوز الشخص إلى المجال الذي يمثله، والوزن السياسي الذي ينقله معه.
والأمر نفسه ينطبق، وإن من زاوية مختلفة، على انضمام فوزي لقجع إلى الحزب. فبعيدا عن النقاش المرتبط بالاستحقاقات الانتخابية، فإن حضور شخصية بهذا الحجم داخل أي تنظيم سياسي يمنحه زخما سياسيا ورمزيا، ويعكس قدرة الحزب على استقطاب شخصيات وازنة ذات تأثير داخل مؤسسات الدولة.
هذه التحولات تفتح الباب أمام سؤال مشروع: هل يسعى حزب الأصالة والمعاصرة إلى تصدر الانتخابات المقبلة، أم إنه يعمل على بناء ميزان قوى جديد يؤهله لقيادة الحكومة المقبلة؟
المؤشرات الحالية توحي بأن الحزب يتحرك وفق رؤية بعيدة المدى. فهو لا يركز فقط على توسيع قاعدته التنظيمية، بل يستهدف أيضا المجالات التي كانت تاريخيا تمثل خزانا انتخابيا لأحزاب منافسة، وعلى رأسها حزب الاستقلال في الأقاليم الجنوبية.
ولسنوات طويلة، كان الجنوب المغربي يمثل أحد أبرز معاقل حزب الاستقلال، الذي استطاع أن يبني حضوره اعتمادا على شخصيات ذات امتداد اجتماعي وقبلي ومؤسساتي. غير أن التحولات الأخيرة توحي بأن هذه المعادلة بدأت تتغير. فالجنوب الذي كان ينظر إليه باعتباره فضاء سياسيا يتنفس برئة استقلالية واحدة، أصبح اليوم يشهد إعادة توزيع لمراكز النفوذ، مع صعود واضح لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي نجح في اختراق أحد أكثر المجالات حساسية في الخريطة الانتخابية الوطنية.
ومع ذلك، فإن اختزال المشهد في انتقالات الأسماء وحدها قد يقود إلى قراءة ناقصة. فالانتخابات لا تحسمها فقط قوة المرشحين، بل تحددها أيضا طبيعة التحالفات، وسلوك الناخبين، وحجم الرهان على البرامج، ومدى قدرة الأحزاب على تحويل الرصيد البشري إلى رأسمال انتخابي. لذلك، فإن ما ينجح في مرحلة الاستقطاب قد لا ينجح بالضرورة في مرحلة الاقتراع.
غير أن ما يبدو واضحا حتى الآن هو أن حزب الأصالة والمعاصرة يخوض معركة ما قبل الانتخابات بوتيرة أسرع من منافسيه، واضعا نصب عينيه هدفا يتجاوز تحسين النتائج إلى بناء أغلبية سياسية قادرة على قيادة الحكومة المقبلة.
ويبقى السؤال الذي لن تجيب عنه استطلاعات الرأي ولا حسابات المراقبين، وإنما صناديق الاقتراع وحدها: هل تنجح هذه الانتقالات السياسية الثقيلة في منح البام أغلبية ما بعد 2026، أم أن الناخب المغربي سيعيد ترتيب الأوراق بطريقة مغايرة، تؤكد مرة أخرى أن السياسة لا تعترف بالانتصارات المبكرة، وأن الحكم النهائي يبقى دائما بيد الناخب؟













