الساحل بريس / الصغير محمد
أعادت مداخلة أحد أبناء العيون من مغاربة العالم، الذي تحدث عن كون جالية المدينة من أقل الجاليات استفادة من الثروة العقارية والتنموية لمدينتها، النقاش حول علاقة مغاربة العالم بالمدن الجنوبية، وما إذا كانت هذه المدن قادرة فعلا على تحويل ارتباط الجالية واستثماراتها إلى قيمة مضافة في التنمية.
لكن حالة الداخلة تقدم زاوية مختلفة لهذا النقاش.
فعدد من مغاربة العالم، ممن لا ينحدرون بالضرورة من الداخلة، اختاروا خلال السنوات الماضية اقتناء بقع أرضية بالمدينة، مدفوعين بما يرونه من مؤشرات قوية على مستقبلها الاقتصادي والعمراني، وبالمشاريع الكبرى التي تراهن عليها، وفي مقدمتها ميناء الداخلة الأطلسي، إلى جانب أوراش أخرى يفترض أن تعزز جاذبية المدينة وترفع من قيمتها الاستثمارية.
هؤلاء لم يقتنوا العقار بدافع الانتماء إلى المدينة، وإنما بدافع الاستثمار والرهان على المستقبل. وضعوا مدخرات مهمة في السوق العقارية، وساهموا بذلك في تنشيط حركة البيع والشراء، وفي خلق آمال لدى قطاع البناء والخدمات المرتبطة به.
غير أن مخطط التهيئة أفرز وضعية أصبحت تطرح علامات استفهام بشأن تجزئتي السعادة 1 والسعادة 2، خصوصا في ظل عدم تجهيز التجزئتين، وهو ما جعل أصحاب البقع الذين دفعوا مبالغ مهمة يجدون أنفسهم أمام وضعية تفرض أسئلة تتجاوز مجرد موعد البناء.
فالسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل البقع التي اقتناها المستثمرون في تجزئتي السعادة 1 والسعادة 2 موجودة وقابلة للتجهيز والاستغلال فعلا، أم أن أصحابها أصبحوا أمام عقارات اقتنوها على الورق دون أن يتمكنوا من تحويلها إلى استثمارات فعلية؟
طرح هذا السؤال لا يعني التشكيك في قانونية عمليات الاقتناء أو في ملكية أصحابها، وإنما يعكس حجم القلق الذي يعيشه مستثمرون وضعوا ملايين السنتيمات، وفي بعض الحالات ملايين الدراهم، في عقارات كانوا يتوقعون أن تتحول إلى مساكن أو مشاريع.
فالاستثمار العقاري يقوم أساسا على الثقة. والمستثمر الذي يقتني بقعة في مدينة يراهن على مستقبلها لا يشتري الأرض وحدها، وإنما يشتري معها إمكانية البناء والاستغلال والاستثمار.
ومن هنا، فإن وضعية تجزئتي السعادة 1 والسعادة 2 لا ينبغي أن تختزل في ملف يهم الملاك وحدهم، لأنها ترتبط أيضا بصورة الداخلة كوجهة استثمارية. فإذا كانت المشاريع الكبرى، وعلى رأسها ميناء الداخلة الأطلسي، قد ساهمت في جذب المستثمرين ورفع جاذبية المدينة، فإن الحفاظ على هذه الثقة يتطلب أن تكون السوق العقارية قادرة على تحويل الاقتناء إلى استثمار فعلي.
وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات والجهات المتدخلة، كل حسب اختصاصه، في تقديم أجوبة واضحة للملاك بشأن وضعية التجزئتين، ومآلهما في ظل مخطط التهيئة، وإمكانية تجهيزهما، والآفاق الزمنية التي يمكن أن ينتقل فيها أصحاب البقع من مرحلة الاقتناء إلى مرحلة البناء والاستغلال.
كما أن المنتخبين مطالبون بالترافع عن مصالح السكان والمستثمرين وطرح هذا الملف أمام الجهات المختصة، خصوصا أن الأمر يتعلق بأموال تم ضخها في السوق العقارية بالمدينة، وبثقة استثمارية ينبغي الحفاظ عليها.
وفي المقابل، تبقى مسؤولية المستثمر قائمة في ضرورة التأكد من وضعية العقار قبل اقتنائه، غير أن ذلك لا يلغي الحاجة إلى وضوح مؤسساتي عندما يتعلق الأمر بتجزئتين كاملتين وبعدد كبير من المقتنين.
وبين مداخلة ابن العيون وتجربة مستثمري مغاربة العالم في الداخلة، تظهر صورتان مختلفتان لعلاقة الجالية بالعقار في الأقاليم الجنوبية: في العيون، صوت يطالب بنصيبه من الدينامية العقارية والتنموية لمدينته؛ وفي الداخلة، مستثمرون من مغاربة العالم لم يكونوا أبناء المدينة أصلا، لكنهم آمنوا بمستقبلها ووضعوا أموالهم فيها.
والجامع بين الحالتين هو الثقة.
فمغربي العالم الذي يستثمر في مدينة لا ينحدر منها، لأنه يؤمن بمستقبلها، يقدم في حد ذاته شهادة على جاذبيتها. لكن هذه الثقة تحتاج إلى ما يحميها، لأن الاستثمار لا يكتمل بمجرد بيع البقعة، وإنما يبدأ فعليا عندما يصبح بالإمكان البناء والاستغلال وتحويل الأرض إلى قيمة اقتصادية.
ولهذا فإن السؤال المطروح اليوم بشأن تجزئتي السعادة 1 والسعادة 2 ليس فقط: من اشترى؟ وبكم اشترى؟
بل أيضا: ماذا اشترى فعليا؟ ومتى يمكن أن يتحول هذا الاستثمار من ملكية على الورق إلى مشروع قائم على الأرض؟
إنها أسئلة مشروعة، والإجابة عنها بوضوح ليست فقط إنصافا للملاك، وإنما حماية أيضا لصورة الداخلة كمدينة تستقطب الاستثمارات وتراهن على مستقبل اقتصادي كبير.













