الساحل بريس / الصغير محمد
في كل موسم انتخابي، لا تتغير فقط أسماء المرشحين، بل تتغير أيضا مواقعهم داخل الخريطة الحزبية، وتُعاد صياغة التحالفات والتوازنات، وتظهر أسماء جديدة إلى الواجهة، فيما تختار أسماء أخرى الانتقال إلى مواقع سياسية مختلفة. وفي جهة الداخلة وادي الذهب، يبدو أن هذه الدينامية أخذت خلال الفترة الأخيرة منحى أكثر وضوحا، جعلت المواطن يتابع المشهد بكثير من الفضول، وربما بشيء من الحيرة أيضا: أي لون حزبي سيحمله هذا الاسم أو ذاك عندما تصل لحظة الحسم؟
غير أن قراءة هذا المشهد تقتضي قدرا كبيرا من الهدوء والموضوعية، لأن الانتقال السياسي، في حد ذاته، لا يمكن أن يكون دليلا على صواب طرف أو خطأ آخر، كما لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة لمحو ما قدمه أي فاعل سياسي خلال المرحلة التي قضاها داخل حزبه السابق.
فالخطاط ينجا، الذي غادر حزب الاستقلال متوجها إلى حزب الأصالة والمعاصرة رفقة عدد كبير من المنتخبين، بلغ وفق المعطيات المتداولة 124 منتخبا، لم يكن مجرد اسم عابر داخل حزب الاستقلال، بل كان أحد الوجوه السياسية التي ارتبط حضورها بعدد من الملفات والقضايا التي تهم الجهة وساكنتها. كما أن المنتخبين الذين اختاروا الانتقال معه راكموا بدورهم تجارب ومسؤوليات ومساهمات في تدبير الشأن العام المحلي والجهوي.
ومن الإنصاف القول إن تقييم تجربة أي سياسي لا ينبغي أن يبدأ من لحظة مغادرته لحزبه، وإنما من مجموع مساره وما قدمه خلال فترة وجوده في موقع المسؤولية. فالاختلاف في الاختيار الحزبي لا يلغي بالضرورة ما تحقق من مبادرات، ولا يمحو مساهمات سياسية واجتماعية واقتصادية كان لها حضور في حياة المواطنين.
والأمر نفسه ينطبق على امبارك حمية، الذي انتقل من حزب التجمع الوطني للأحرار نحو حزب الاستقلال، وعلى محمد بوبكر الذي توجه إلى الاستقلال قادما من حزب التقدم والاشتراكية. فهؤلاء، مثل غيرهم من الفاعلين، ينبغي أن تُقرأ مساراتهم السياسية بما لها وما عليها، لا من خلال محطة الانتقال وحدها.
ومن المهم هنا التمييز بين النقد السياسي المشروع وبين إسقاط الماضي السياسي بالكامل بمجرد تغير الانتماء. فالسياسة مجال للاختلاف وتعدد الاختيارات، والفاعل السياسي يمكن أن يراجع موقعه أو يختار إطارا حزبيا جديدا يرى أنه أكثر انسجاما مع المرحلة أو مع تقديراته السياسية. لكن في المقابل، يبقى من حق المواطن أن يسأل عن أسباب هذا الاختيار، وعن ما إذا كان الانتقال سيحمل معه رؤية جديدة أم أن الأمر يتعلق بإعادة تموقع داخل خريطة انتخابية متغيرة.
وهذا السؤال لا يحمل في ذاته اتهاما لأحد، بقدر ما يعكس حاجة الناخب إلى فهم المشهد.
فالانتقال من حزب إلى آخر يصبح ذا معنى سياسي عندما يكون مصحوبا بتفسير واضح، سواء تعلق الأمر باختلاف في الرؤية أو بتطور في المواقف أو بتقدير جديد للمرحلة. أما اختزال المسألة في فكرة «الترحال» وحدها، فقد يكون تبسيطا لظاهرة أكثر تعقيدا، لأن خلف كل انتقال ظروفا وحسابات ومسارات شخصية وتنظيمية لا يمكن اختزالها في حكم واحد.
وفي الوقت نفسه، فإن ما يجري بالداخلة لا يمكن فصله عن اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة. فالأحزاب تعيد ترتيب صفوفها، وتبحث عن مرشحين قادرين على المنافسة، والفاعلون السياسيون يعيدون تقييم مواقعهم، بينما تبرز أسماء جديدة لم تكن حاضرة من قبل في الواجهة الانتخابية.
ومن أبرز التحولات التي تستحق التوقف عندها انتقال امبارك حمية من حزب التجمع الوطني للأحرار إلى حزب الاستقلال، وهو انتقال أعاد بالضرورة طرح سؤال من سيحمل مشعل المنافسة باسم الأحرار في المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، يبرز اسم سهام بوغيدان لخوض الانتخابات التشريعية باسم حزب التجمع الوطني للأحرار خلفا لامبارك حمية، بما يجعل حضورها في السباق، في حال استكمال المسار التنظيمي والإعلان الرسمي، واحدا من أبرز التطورات التي تستحق المتابعة.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية إضافية بالنظر إلى أن سهام بوغيدان ليست اسما منفصلا عن المشهد الحزبي، بل سبق أن كان لها حضور داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، وهو ما يجعل ترشيحها، في حال تأكده، أقرب إلى إعادة ترتيب داخل البيت الحزبي منه إلى مجرد استقدام اسم من خارج المشهد.
كما أن ارتباط اسمها بعائلة رجل الأعمال المعروف إبراهيم بوغيدان يضيف بعدا اجتماعيا إلى النقاش، دون أن يكون ذلك في حد ذاته حكما على قدرتها السياسية أو الانتخابية. فالمعيار الذي ينبغي أن يحكم المنافسة في النهاية هو الكفاءة، والقدرة على الإقناع، والحضور الميداني، والبرنامج، وما يمكن للمرشح أن يقدمه للناخبين.
وفي الجهة المقابلة، يبرز أيضا رحيل حگوكة، الشاب الذي كان اسمه يتردد في وقت سابق باعتباره أحد الأسماء المحتملة للترشح باسم الأصالة والمعاصرة بإقليم وادي الذهب، وهو ما فتح الباب أمام إعادة ترتيب الحسابات داخل الحزب، بالتزامن مع بروز أسماء أخرى في المشهد الانتخابي.
وبذلك، لا يعود المشهد مجرد عملية انتقال فردي من حزب إلى آخر، وإنما يبدو أقرب إلى إعادة انتشار سياسية واسعة، يحاول من خلالها كل حزب أن يعيد بناء قوته استعدادا لاستحقاق انتخابي جديد.
لكن قوة أي حزب لا تختزل في عدد الأسماء التي تنضم إليه، كما أن مغادرة بعض الأسماء لا تعني بالضرورة انهيار موقعه. فالانتخابات أكثر تعقيدا من هذه المعادلات الحسابية، والناخب قادر على إعادة ترتيب المشهد بطريقة قد لا تتطابق دائما مع توقعات الفاعلين السياسيين.
وفي هذا السياق، فإن دخول أسماء شابة إلى المنافسة التشريعية لأول مرة يمثل واحدا من أبرز ملامح المرحلة المقبلة. وهو تطور يمكن أن يكون إيجابيا إذا حمل معه تجديدا في الخطاب والأفكار، وليس فقط تغييرا في الوجوه.
فالشباب ليسوا قيمة انتخابية لمجرد كونهم شبابا، كما أن التجربة ليست امتيازا لمجرد أنها طويلة. ما يهم هو قدرة كل مرشح على تقديم إجابات واضحة عن القضايا التي تشغل المواطن، وعلى رأسها التشغيل، والسكن، والاستثمار، والتعليم، والصحة، والسياحة، والصيد البحري، والبنية التحتية، والعدالة المجالية.
وهنا تحديدا ينبغي أن يكون النقاش متوازنا. فالوجوه التي راكمت تجربة سياسية وانتدابية لا ينبغي اختزال مسارها في لحظة انتقال حزبي، كما أن الوجوه الجديدة لا ينبغي أن تُمنح صفة التجديد لمجرد دخولها لأول مرة إلى السباق.
لقد كان عدد من الفاعلين الذين يعاد ترتيب مواقعهم اليوم قيمة مضافة داخل أحزابهم ومؤسساتهم، وساهموا، كل من موقعه، في عدد من القضايا التي تهم المواطن، ولا سيما في جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والتنموية. والاعتراف بهذه المساهمات لا يتعارض مع مناقشة خياراتهم السياسية الحالية، بل هو جزء من الإنصاف الذي يفترض أن يحكم أي قراءة صحفية للمشهد.
فليس من المهنية أن تتحول مغادرة الحزب إلى سبب لمحو الحصيلة السابقة، كما ليس من الموضوعية أن تتحول الحصيلة السابقة إلى حصانة من النقد. بين الأمرين توجد مساحة واسعة للنقاش السياسي الهادئ: الاعتراف بما تحقق، ومساءلة ما لم يتحقق، وفهم أسباب الانتقال، وانتظار ما سيقدمه كل فاعل في موقعه الجديد.
وهذا ربما هو السؤال الأهم في المرحلة الحالية.
هل نحن أمام تغيير حقيقي في القناعات والمشاريع، أم أمام إعادة تموقع انتخابي فرضته طبيعة المرحلة؟
لا يمكن الإجابة عن ذلك بمجرد قراءة أسماء المنتقلين، بل من خلال مواقفهم وخطاباتهم وبرامجهم وما سيقدمونه للناخب خلال المرحلة المقبلة.
فالمواطن في الداخلة لا يحتاج فقط إلى معرفة من أصبح في الاستقلال ومن أصبح في الأصالة والمعاصرة ومن سيحمل لواء الأحرار. إنه يحتاج إلى معرفة ما الذي سيحمله كل حزب ومرشح إلى البرلمان، وما هي القضايا التي سيدافع عنها، وكيف سيتعامل مع انتظارات الجهة وساكنتها.
وفي النهاية، تبقى السياسة أكبر من الألوان الحزبية، والانتخابات أكبر من حركة الأسماء.
قد ينتقل الخطاط ينجا ومعه عدد كبير من المنتخبين من الاستقلال إلى الأصالة والمعاصرة، وقد ينتقل امبارك حمية من الأحرار إلى الاستقلال، وقد يلتحق محمد بوبكر بالاستقلال قادما من التقدم والاشتراكية، وقد يستعد اسم مثل سهام بوغيدان لحمل ترشيح الأحرار خلفا لحمية، وقد تظهر أسماء شابة لأول مرة في السباق، لكن كل هذه التحولات ستظل مجرد مقدمات إلى أن يقول الناخب كلمته.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تكون سباقا لمعرفة «من ذهب إلى أين»، بقدر ما ينبغي أن تكون مناسبة لمعرفة «ماذا سيقدم كل طرف».
فالسياسي الذي غادر حزبه لا ينبغي أن يُحاكم فقط على مغادرته، والسياسي الذي بقي لا ينبغي أن يُمنح صك نجاح لمجرد بقائه، والوجه الجديد لا ينبغي أن يُرفض لمجرد أنه جديد.
المعيار الحقيقي واحد بالنسبة للجميع: الحصيلة، والكفاءة، والمشروع، والقدرة على تمثيل المواطن.
وهنا فقط يمكن أن يتحول الحراك الحزبي الذي تشهده جهة الداخلة وادي الذهب من مجرد حركة في المواقع إلى فرصة لإغناء المنافسة السياسية، وتجديد النقاش العمومي، وفتح المجال أمام الناخب لاختيار أكثر وعيا بين تجارب مختلفة وأسماء جديدة ومشاريع يفترض أن تكون واضحة.
أما السؤال الذي سيحسم كل هذه الحسابات في النهاية، فلن يكون أي لون سيرتديه هذا السياسي أو ذاك، وإنما:
أي مشروع سيحمله معه عندما يرتدي ذلك اللون؟













