صوت المواطن أولا.. فلماذا ينسى عند تشكيل التحالفات؟

هيئة التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
صوت المواطن أولا.. فلماذا ينسى عند تشكيل التحالفات؟

الساحل بريس

ما إن يضع المواطن صوته في صندوق الاقتراع حتى تبدأ مرحلة اخرى من العملية السياسية، غالبا ما تجري بعيدا عن مشاركته المباشرة. يختار حزبا او مرشحا، ويمنحه ثقته، ثم يجد نفسه امام تحالفات قد تجمع من اختارهم بمن كانوا، قبل ايام فقط، خصوما في معركة انتخابية شرسة.

هنا يفرض الواقع سؤالا مشروعا: هل تنتهي مهمة المواطن عند التصويت، ام ان من حقه ان يعرف كيف سيستعمل التفويض الذي منحه لمن انتخبهم؟

من الناحية القانونية والسياسية، تظل التحالفات حقا مشروعا للمنتخبين، خصوصا عندما تفرض نتائج الاقتراع تشكيل اغلبية عبر التوافق والتفاوض. وهذا من صميم العمل السياسي، اذ قد يتحالف اليسار مع اليمين، والليبرالي مع الاسلامي، والاشتراكي مع القومي، متى اقتضت موازين القوى ذلك. وينطبق الامر نفسه على تشكيل الحكومات والمجالس الترابية.

لكن المشكل لا يكمن دائما في التحالف ذاته، بل في الفجوة التي قد تنشا بين خطاب الحملة الانتخابية وممارسة ما بعد النتائج.

فالمواطن الذي خاض معركة سياسية دفاعا عن حزب او مرشح، ورفض في سبيل ذلك احزابا ومنافسين بعينهم، قد يجد نفسه بعد اعلان النتائج امام مشهد مختلف تماما: من كان خصما صار حليفا، ومن كان مرفوضا اصبح شريكا في تدبير المجلس او اقتسام المسؤوليات.

وهنا تتولد ازمة الثقة.

فالمنتخب الذي يطلب صوت المواطن للوصول الى موقع القرار لا يفقد، بعد نجاحه، مسؤوليته تجاه من منحه ذلك الصوت. صحيح انه لا يمكن عمليا اخضاع كل تحالف لاستفتاء شعبي، كما ان القوانين تمنح المنتخبين صلاحيات واضحة في تدبير المؤسسات وتكوين اغلبياتها، لكن ذلك لا يلغي الحاجة الى الوضوح السياسي والانصات للقاعدة الانتخابية.

فاذا كان الناخب هو مصدر الشرعية الانتخابية، فمن حقه ان يعرف لماذا اختير هذا التحالف دون غيره، وما الذي تغير بين خطاب الامس وشراكة اليوم.

المشكلة تصبح اكثر حدة عندما يكون التحالف الجديد قائما مع طرف جرى تقديمه للناخب باعتباره خصما او نقيضا سياسيا. فكيف يمكن مطالبة المواطن بالتصويت على اساس موقف واضح، ثم مطالبته بعد ذلك بتقبل عكس ذلك الموقف دون تفسير او تواصل؟

السياسة بطبيعتها تقوم على الممكن، وقد تفرض نتائج الانتخابات تنازلات وتسويات وتحالفات غير متوقعة. لكن منطق الممكن السياسي لا ينبغي ان يتحول الى شيك على بياض باسم المواطن.

فالتحالف قد يكون قانونيا، لكنه يحتاج ايضا الى تبرير سياسي واخلاقي، خصوصا عندما تكون المسافة بين خطاب الحملة الانتخابية ومشهد ما بعد النتائج كبيرة.

ومن هنا، فان المطلوب ليس مصادرة صلاحيات المنتخب او تعطيل التحالفات، وانما ترسيخ ثقافة سياسية تجعل المواطن حاضرا بعد الانتخابات كما كان حاضرا قبلها؛ بالمعلومة، والتفسير، والمساءلة.

فالناخب لا ينبغي ان يكون مجرد رقم يستدعى يوم الاقتراع، ثم ينسى عندما تبدأ مفاوضات تشكيل الاغلبية وتوزيع المسؤوليات.

صوت المواطن ليس ملكية خاصة للمنتخب، بل امانة سياسية حملته الى موقع المسؤولية.

ولهذا، فان المنتخب الذي يطلب من المواطن ان يثق به، مطالب بان يحافظ على هذه الثقة حتى بعد اعلان النتائج. واذا اضطر الى التحالف مع خصوم الامس، فعليه ان يشرح للناخب اسباب ذلك، وان يوضح ما اذا كان التحالف يخدم المصلحة العامة ام انه مجرد طريق الى الرئاسة او ضمان موقع داخل المجلس.

في النهاية، لا تنتهي الديمقراطية عند صندوق الاقتراع، كما لا تبدأ مسؤولية المنتخب بعد اعلان النتائج فقط. فالصندوق يمنح الشرعية، لكن طريقة تدبير تلك الشرعية هي التي تحدد مستوى الثقة في السياسة والمؤسسات.

وقد يقبل المواطن ان تكون السياسة فن الممكن، لكنه لن يقبل بسهولة ان يكون صوته وسيلة للعبور الى السلطة، ثم يصبح خارج الحسابات عندما تبدأ لعبة التحالفات.

فالذي يطلب صوت المواطن للوصول، مطالب ايضا بان يسمع صوته بعد الوصول.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة