تتجه الأنظار إلى موسكو، حيث تتقاطع التحركات الدبلوماسية المغربية والجزائرية على هامش القمة الروسية الإفريقية، في ظرفية إقليمية ودولية تتزايد فيها أهمية ملف الصحراء المغربية، بالتزامن مع اقتراب استحقاق جديد داخل مجلس الأمن بشأن بعثة الأمم المتحدة. وبين حرص الرباط والجزائر على إيصال مواقفهما إلى دوائر القرار الروسي، تجد موسكو نفسها أمام معادلة دبلوماسية دقيقة، عنوانها الحفاظ على توازن علاقاتها مع البلدين، دون التسرع في إعلان تحول في مقاربتها لهذا النزاع الإقليمي.
وتكتسب التحركات الجارية في العاصمة الروسية أهمية خاصة بالنظر إلى تزامنها مع أشغال القمة الروسية الإفريقية، المنعقدة يومي 28 و29 أكتوبر الجاري، بمشاركة وفود من 48 دولة إفريقية، من بينها 22 دولة ممثلة برؤسائها، في محطة تراهن عليها موسكو لتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي داخل القارة، وتوسيع شبكة شراكاتها في ظل التنافس الدولي المتزايد على النفوذ والمصالح الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، برزت الاتصالات المغربية الروسية، بالتوازي مع اللقاء الذي جمع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بنظيره الجزائري أحمد عطاف، والذي أكد الجانب الروسي أن ملف الصحراء سيكون ضمن القضايا المطروحة للنقاش. وهو معطى يعكس استمرار حضور هذا الملف في أجندة التحركات الدبلوماسية بالمنطقة، لكنه لا يكفي، في حد ذاته، للاستنتاج بحدوث تحول في الموقف الروسي.
الرباط وموسكو.. قنوات تواصل في سياق دولي حساس
في 23 أكتوبر الجاري، أجرى وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة اتصالا هاتفيا بنظيره الروسي سيرغي لافروف، تناول، وفق المعطيات الصادرة عن الخارجية الروسية، التحضيرات للقمة الروسية الإفريقية والعلاقات الثنائية، فضلا عن عدد من القضايا الإقليمية المطروحة على المستوى الأممي.
ويأتي هذا التواصل في إطار حرص الرباط على استمرار التشاور مع موسكو، بالنظر إلى موقع روسيا باعتبارها عضوا دائما في مجلس الأمن، وما يتيحه ذلك من تأثير في المداولات المرتبطة بالقضايا الدولية، وفي مقدمتها النزاع حول الصحراء المغربية.
وتحضر في هذا السياق خلفية الموقف الروسي من القرار رقم 2797 المتعلق بالصحراء، الذي امتنعت موسكو عن التصويت عليه في أكتوبر 2025. وهو موقف يستدعي قراءة متأنية، بعيدا عن التأويلات المتسرعة، إذ لا يعني الامتناع عن التصويت تبنيا تلقائيا للموقف المغربي أو الجزائري، بقدر ما يترك المجال مفتوحا أمام تقييم أوسع لحسابات الدبلوماسية الروسية وتوجهاتها داخل مجلس الأمن.
وكان السفير الروسي لدى المغرب، إيغور بيليايف، قد أكد اهتمام بلاده بمشاركة مغربية فعالة في القمة، مشددا على دعم التوصل إلى تسوية سياسية للنزاع تحت رعاية الأمم المتحدة. وفي المقابل، لم تتضح، وفق المعطيات الرسمية المتاحة إلى مساء الثلاثاء، جميع التفاصيل المتعلقة بمستوى التمثيل المغربي في اجتماعات موسكو.
الجزائر تعزز حضورها.. والصحراء ضمن مباحثات لافروف وعطاف
في المقابل، وصل الوزير الأول الجزائري سيفي غريب إلى موسكو يوم 26 أكتوبر، مرفوقا بوزير الخارجية أحمد عطاف ووزير المحروقات محمد عرقاب، للمشاركة في اجتماعات ترتبط بالتعاون في مجال الغاز والشراكة الروسية الإفريقية.
غير أن اللقاء الذي جمع عطاف بلافروف يوم الثلاثاء اكتسب أهمية سياسية إضافية، بعدما أكدت موسكو أن المباحثات ستتناول العلاقات الثنائية وعددا من القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها قضية الصحراء، إلى جانب ملفات التعاون العسكري والاقتصادي.
ويتيح هذا اللقاء للجزائر مواصلة عرض تصوراتها بشأن تطورات النزاع أمام المسؤولين الروس، في مرحلة تتجه فيها الأنظار إلى مجلس الأمن، وما قد تحمله المداولات المرتبطة بمستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء من مؤشرات سياسية ودبلوماسية جديدة.
وتزداد أهمية هذه التحركات في ظل التقارير المتداولة بشأن تعديلات محتملة على مشروع القرار الأمريكي المرتقب، وهو ما يعيد مواقف الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن إلى واجهة الاهتمام، بالنظر إلى تأثيرها في مسار المفاوضات وصياغة القرارات الدولية.
ومع ذلك، يظل من الضروري التمييز بين أهمية المشاورات الثنائية وبين ما يمكن أن يترتب عنها من التزامات أو قرارات فعلية. فلا يوجد، وفق المعطيات الرسمية المتاحة، إعلان يؤكد أن موسكو قررت تغيير موقفها أو تعهدت باستخدام حق النقض ضد أي مشروع قرار لا ينسجم مع المطالب الجزائرية. ومن ثم، فإن الحديث عن ضمانات روسية مسبقة يظل في نطاق التأويلات غير المؤكدة ما لم تسنده تصريحات رسمية واضحة.
مشاركة البوليساريو.. ملف بروتوكولي بأبعاد سياسية
ومن بين النقاط التي أثارت اهتمام المتابعين، ما جرى تداوله بشأن عدم توجيه دعوة إلى جبهة البوليساريو للمشاركة في اجتماعات موسكو الحالية. وإذا تأكدت هذه المعطيات من خلال مصادر رسمية، فإنها قد تفتح باب النقاش بشأن طبيعة المقاربة الروسية لتمثيل الأطراف المعنية بالنزاع داخل المحافل المرتبطة بالشراكة الروسية الإفريقية.
ويستند هذا النقاش إلى واقع التباين داخل القارة الإفريقية بشأن ما يسمى «الجمهورية الصحراوية»، العضو في الاتحاد الإفريقي، وما يرافق ذلك من اختلاف في مواقف الدول حول تمثيلها في اللقاءات الدولية. كما تستحضر هذه المسألة تقارير بشأن اجتماعات سابقة لم تشارك فيها الجبهة، من بينها الاجتماع الوزاري الذي احتضنته القاهرة في دجنبر 2025.
غير أن غياب تأكيد روسي مستقل بشأن اللائحة النهائية للمدعوين إلى قمة 2026 يفرض التعامل بحذر مع المعطيات المتداولة، وعدم تحويل المؤشرات البروتوكولية إلى استنتاجات سياسية نهائية قبل اتضاح الصورة الرسمية.
ففي العلاقات الدولية، لا تنحصر دلالات المشاركة أو عدمها في الجانب التنظيمي، بل قد ترتبط أيضا بحسابات التمثيل والشراكات والرسائل الدبلوماسية. ومع ذلك، فإن تقييم دلالاتها الفعلية يظل رهينا بالسياق الذي اتخذت فيه القرارات، وبما يصدر عن الجهات المعنية من توضيحات رسمية.
الكرملين بين توازن العلاقات ورهانات النفوذ الإفريقي
وبعيدا عن ملف الصحراء المغربية، تراهن موسكو على القمة لتعزيز تعاونها مع شركائها الأفارقة، عبر مبادرات واتفاقيات مرتقبة تشمل قطاعات التجارة والطاقة والأمن، إلى جانب خطة للتعاون للفترة 2027-2029.
وتعكس هذه الأجندة توجها روسيا إلى ترسيخ حضورها داخل القارة الإفريقية، مستفيدة من شبكة علاقاتها السياسية والاقتصادية، في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية على الأسواق والموارد الطبيعية والشراكات الاستراتيجية.
وفي هذا الإطار، تبرز خصوصية العلاقات الروسية مع كل من المغرب والجزائر. فموسكو ترتبط بالجزائر بعلاقات سياسية وعسكرية واقتصادية مهمة، فيما تسعى إلى الحفاظ على قنوات تعاونها مع الرباط، بما يضمن لها هامشا واسعا للتحرك داخل المنطقة المغاربية، ويجنبها الانخراط في اصطفافات قد تحد من مصالحها مع أحد الطرفين.
وتفرض هذه المعادلة على الدبلوماسية الروسية الموازنة بين اعتبارات الشراكة الثنائية وحسابات النفوذ الإقليمي، دون أن يعني ذلك بالضرورة اعتماد سياسة متطابقة تجاه مختلف الملفات التي تهم البلدين. كما أن إدراج قضية الصحراء ضمن جدول المباحثات لا يمثل، في حد ذاته، مؤشرا حاسما على مراجعة الموقف الروسي، تماما كما أن أي إشارة بروتوكولية لا تكفي وحدها لتحديد اتجاه السياسة الخارجية الروسية في هذا الملف.
المواقف الرسمية.. المعيار الحاسم لقراءة التحركات
وبين التحركات المغربية والجزائرية، تظل موسكو أمام اختبار دبلوماسي تتداخل فيه رهانات الحفاظ على الشراكات الثنائية مع متطلبات التعامل مع ملف إقليمي معقد، تحكمه اعتبارات الأمم المتحدة وتوازنات مجلس الأمن وتباين مواقف الأطراف المعنية.
وفي انتظار ما ستكشف عنه الأيام المقبلة، ستبقى التصريحات الرسمية الروسية، ومواقف موسكو داخل المؤسسات الدولية، ولا سيما تصويتها على القرارات المرتبطة بالصحراء المغربية، المؤشرات الأكثر موثوقية لتقييم توجهاتها الفعلية.
وهكذا، تبدو موسكو أكثر من مجرد محطة للقاءات الثنائية على هامش قمة دولية؛ إنها فضاء لاختبار حدود التوازن الدبلوماسي بين الرباط والجزائر، في وقت تتطلع فيه كل عاصمة إلى تعزيز حضور موقفها في دوائر القرار الدولي. وبين الرسائل السياسية والحسابات الاستراتيجية، يبقى السؤال المركزي هو مدى انعكاس هذه التحركات على مسار التسوية الأممية، بعيدا عن القراءات المتسرعة والاستنتاجات التي لا تسندها مواقف معلنة.













