بقلم: مجيد الشويهي | الساحل بريس
ليس من المنطقي أن يستمر البحث عن أسماء جديدة لتولي المسؤوليات الحكومية، في وقت تزخر فيه الأقاليم الجنوبية بكفاءات راكمت تجربة سياسية وإدارية مهمة، وتقلدت حقائب وزارية ومسؤوليات مؤسساتية، واطلعت عن قرب على دواليب الدولة وتحديات تدبير الشأن العام.
ومنذ الحكومات التي تعاقبت في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، مرورا بالحكومات المتعاقبة في عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وصولا إلى الحكومة الحالية بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، ظل حضور الكفاءات الصحراوية في التشكيلات الحكومية موضوعا يستحق النقاش، خصوصا في ظل ما راكمته شخصيات من الأقاليم الجنوبية من تجارب سياسية وإدارية ومسؤوليات مؤسساتية.
وتبرز في هذا السياق أسماء عديدة ارتبطت بتجارب حكومية وبرلمانية مختلفة، من بينها محمد الشيخ بيد الله، وخليهن ولد الرشيد، وأحمد لخريف، وامباركة بوعيدة، ورقية الدرهم، إلى جانب مصطفى بايتاس، المنحدر من سيدي إفني، والذي تولى مسؤولية حكومية في عهد عزيز أخنوش. وهي مسارات تطرح سؤالا جوهريا حول مدى استفادة الحكومات المتعاقبة من الخبرات التي راكمتها هذه الشخصيات.
من حقائب وزارية إلى مسؤوليات مؤسساتية
تولى محمد الشيخ بيد الله منصب وزير الصحة في حكومة إدريس جطو بين سنتي 2002 و2007، قبل أن ينتخب رئيسا لمجلس المستشارين سنة 2009، ليجمع بذلك بين التجربة التنفيذية والتشريعية.
أما أحمد لخريف، فقد شغل منصب كاتب الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون في حكومة عباس الفاسي سنة 2007، قبل أن تنتهي مهمته الحكومية سنة 2008.
وبدورها، تولت امباركة بوعيدة منصب الوزيرة المنتدبة لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون في حكومة عبد الإله بنكيران الثانية سنة 2013، ثم شغلت منصب كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري في حكومة سعد الدين العثماني سنة 2017، قبل أن تواصل مسارها في المسؤوليات الجهوية.
كما تولت رقية الدرهم منصب كاتبة الدولة المكلفة بالتجارة الخارجية في حكومة سعد الدين العثماني سنة 2017، ضمن قطاع الصناعة والاستثمار والتجارة والاقتصاد الرقمي.
أما خليهن ولد الرشيد، فقد ارتبط اسمه بالمسؤوليات المتعلقة بالشؤون الصحراوية منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني، قبل أن يتولى رئاسة المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية سنة 2006، وهي مسؤولية مؤسساتية بارزة في تدبير الملف الصحراوي.
وفي سياق أوسع يشمل المجال الجنوبي، يبرز اسم مصطفى بايتاس، المنحدر من سيدي إفني والمرتبط بالمجال القبلي لآيت باعمران، والذي تولى ابتداء من 7 أكتوبر 2021 منصب الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان، إلى جانب مهمة الناطق الرسمي باسم حكومة عزيز أخنوش.
واستحضار هذه الأسماء لا يعني أن التجربة السابقة تمنح أصحابها حقا دائما في المناصب، ولا أن المسؤوليات الحكومية ينبغي أن توزع على أساس الانتماء الجغرافي وحده، وإنما يهدف إلى طرح سؤال مشروع حول كيفية الاستفادة من الخبرات المتراكمة، وتحقيق التوازن بين تجديد النخب السياسية والمحافظة على رصيد التجربة.
من الحكومات المتعاقبة إلى التشكيلة الحالية.. أين تحضر الكفاءات الصحراوية؟
يكتسب هذا النقاش أهمية خاصة مع تشكيل الحكومة الحالية بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، المنتمية إلى حزب الأصالة والمعاصرة، والتي جرى تعيين أعضائها يوم 16 أكتوبر 2026.
فالتشكيلة الحكومية الجديدة تعيد إلى الواجهة النقاش بشأن حضور الكفاءات المنحدرة من الأقاليم الجنوبية في مراكز القرار التنفيذي، ومدى انعكاس المكانة الاستراتيجية لهذه الأقاليم على مستوى مشاركتها في تدبير الشأن الحكومي.
وإذا كان غياب الأسماء الصحراوية عن التشكيلة الحالية، وفق معيار الانتماء الجغرافي المقصود في هذا المقال، يستدعي مزيدا من التدقيق في الأصول والمسارات، فإنه يفتح في الوقت نفسه المجال أمام تساؤلات مشروعة بشأن معايير اختيار الوزراء، ومدى حضور الكفاءة والتجربة والتمثيلية الجهوية في عملية تشكيل الحكومة.
فالأقاليم الجنوبية ليست مجرد مجال ترابي يحتضن مشاريع تنموية واستثمارات استراتيجية، بل هي أيضا فضاء يزخر بكفاءات سياسية وإدارية راكم بعضها تجربة طويلة في المؤسسات المنتخبة ومواقع المسؤولية. ومن ثم، فإن النقاش حول حضور هذه الكفاءات في الحكومة يظل جزءا من النقاش الأوسع بشأن تكافؤ الفرص وتوسيع المشاركة في صناعة القرار الوطني.
ولا يتعلق الأمر بالمطالبة بحصص وزارية على أساس الانتماء القبلي أو الجغرافي، وإنما بالتساؤل عن مدى استفادة الدولة من الكفاءات المؤهلة، وعن الأسباب التي تجعل بعض الشخصيات تصل إلى مواقع المسؤولية في مرحلة معينة، بينما يغيب حضور غيرها في مراحل أخرى، رغم ما راكمته من تجربة سياسية وإدارية.
التجديد لا يعني إهدار الخبرة
إن تجديد النخب السياسية ضرورة تفرضها التحولات الوطنية وتطلعات المجتمع، غير أن التجديد لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة مع التجارب السابقة، كما أن الاستفادة من الخبرات لا تعني إعادة تدوير الوجوه ذاتها.
فالمطلوب هو اعتماد معايير واضحة في اختيار الوزراء، تقوم على الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز، مع إتاحة الفرصة أمام الكفاءات المجربة والطاقات الصاعدة من مختلف جهات المملكة، بما فيها الأقاليم الجنوبية.
وإذا كانت بعض الشخصيات قد راكمت خبرة في تدبير قطاعات حكومية أو مؤسسات دستورية، فمن المشروع التساؤل عن مدى الاستفادة من هذه الخبرة، دون أن يعني ذلك المطالبة بإعادة تعيين أصحابها بالضرورة. فالمعيار الأساسي ينبغي أن يظل هو الاستحقاق والقدرة على تقديم قيمة مضافة للعمل الحكومي.
ويبقى السؤال المركزي: لماذا لا تستفيد الحكومات المغربية، عبر مختلف مراحلها، بصورة مستمرة من رصيد الكفاءات الصحراوية المجربة، متى استوفت شروط الكفاءة والاستحقاق؟
إنه سؤال يتجاوز أسماء الوزراء إلى طبيعة معايير الاختيار، وموقع الأقاليم الجنوبية في هندسة المسؤوليات الحكومية، ومدى قدرة الحكومات المتعاقبة على الجمع بين تجديد النخب والاستفادة من الخبرات التي راكمتها البلاد عبر سنوات من الممارسة السياسية والإدارية.
فالكفاءات لا ينبغي أن تقاس فقط بحداثة الأسماء أو قدمها، بل بما تستطيع تقديمه من قيمة مضافة للوطن. وبين ضرورة التجديد وأهمية التجربة، تظل العدالة في إتاحة الفرص وربط المسؤولية بالكفاءة مدخلا أساسيا لتعزيز الثقة في المؤسسات، وترسيخ مشاركة مختلف جهات المملكة في صناعة القرار الوطني.













