احمد العهدي
مما استوقفني إعجابا وإيجابا حين حديث دلال المحمدي العلوي، مديرة المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، عن التحديات و الآليات ذات الصلةبتنامي ظاهرة القرصنة الرقمية انه في سياق تطور هذه الظاهرة يبرز نظام مستحقات النسخ التصويري كأحد الآليات المؤطرة للاستغلال المشروع للمصنفات.
وأضافت السيدة المديرة، في هذا الصدد، خلال لقاء تواصلي حول “استفادة قطاع الكتاب من مستحقات النسخ التصويري”، أن وزارة الشباب والثقافة والتواصل واعية تمام الوعي بخطورة ظاهرة القرصنة الرقمية، ما جعلها تشتغل على ملف “إعداد مشروع تعديل وتتميم القانون 2.00 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، وهي تروم وتتغيى تعزيز آليات الحماية ومحاربة القرصنة”، مشيرة إلى أنه “من المنتظر أن يعرض هذا المشروع على البرلمان.
الاكيد ان هذه الإشارة من السيدة المديرة إلى إعداد مشروع تعديل وتتميم القانون المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة تعكس إدراكاً رسمياً بأن النصوص القانونية يجب أن تتطور بالتوازي مع مستجدات التطور التكنولوجي الذي يسير بايقاع مرتفع.
فالقوانين التي كانت صالحة في عصر النشر الورقي التقليدي لم تعد كافية وحدها لمواجهة تحديات العصر الرقمي، حيث أصبحت القرصنة عابرة للحدود وسريعة الانتشار. لذلك يعد تحديث الإطار القانوني ضرورة حتمية وليس مجرد خيار تنظيمي.
إن دعم هذه الأطروحة يجد مبرره أيضاً في كون الصناعات الثقافية أصبحت اليوم جزء من الاقتصاد العالمي الحديث. فالدول التي تحمي الملكية الفكرية بشكل فعال تكون أكثر قدرة على جذب الاستثمار في مجالات النشر والإبداع والإنتاج الثقافي. وبالتالي فإن تعزيز الحماية القانونية لا يخدم المؤلف وحده، بل يساهم في بناء منظومة اقتصاد ثقافي متكامل قادر على خلق الثروة وفرص الشغل.
وفي العمق، فإن هذه الرؤية تؤسس لفكرة حضارية مهمة، وهي أن احترام حقوق المؤلف هو احترام للعقل المبدع وللقيمة المعنوية للمعرفة. فالأمم التي تصون إنتاج مفكريها وكتّابها وفنانيها هي الأمم التي تؤمن بأن الثقافة ليست ترفاً، بل ركيزة من ركائز التنمية والتقدم. ولذلك فإن أي خطوة تروم محاربة القرصنة وتعزيز آليات الحماية القانونية تستحق الدعم والتأييد، لأنها تدافع في النهاية عن كرامة المبدع وعن حق المجتمع في ثقافة قوية ومستدامة.
وغني عن الذكر والبيان أن المتتبع و المتمعن في المشروع القانوني الحالي لن يجد عناء في الإقتناع بانه يوفر حماية حقيقية مساندة و معززة للمؤلفين( ات) في مختلف المجالات، ويضبط آليات التحصيل والتوزيع للمستحقات بوضوح وشفافية، بما في ذلك حقوق النسخ الخاص والنسخ التصويري”.
و كما جاء في كلمة وزير الشباب والثقافة والتواصل السيد محمد المهدي بنسعيد يتركز ويكمن هدف الوزارة “الأسمى” غي “خلق بيئة قانونية آمنة ومحفزة تشجع على الاستثمار في المحتوى الثقافي، وتضمن للكتّاب والناشر المغربي العيش الكريم من ثمار إبداعهم، بعيدا عن أي هضم لحقوقهم.
تستشف ونستنتج ان هذه الأفكار تترجم و تعكس توجهاً جديداً في التعاطي مع قضايا الإبداع الثقافي، يقوم على الانتقال من مجرد الاعتراف الرمزي بالمؤلف إلى بناء منظومة قانونية تجعل من الإبداع مورداً اقتصادياً وحقاً اجتماعياً مصوناً. فحين يتحدث المشروع القانوني عن “حماية معززة للمؤلفين”، فإن الأمر لا يقتصر على حماية النصوص أو المصنفات من السرقة والقرصنة فقط، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة الاعتبار للمبدع باعتباره فاعلاً أساسياً في التنميةالثقافية و الاقتصادية معاً.
إن أهمية هذا الطرح تكمن في أنه يلامس واحدة من أكبر الإشكالات التي عانى منها المبدعون والكتّاب والناشرون لسنوات، وهي ضبابية مساطر التحصيل والتوزيع وضعف الاستفادة الفعلية من الحقوق المادية المرتبطة بالإنتاج الفكري. لذلك فإن التنصيص على “الوضوح والشفافية” في تدبير المستحقات، خاصة ما يتعلق بحقوق النسخ الخاص والنسخ التصويري، يشير إلى محاولة بناء الثقة بين المؤسسات المكلفة بالتدبير وأصحاب الحقوق، لأن أي منظومة حقوقية تفقد قيمتها إذا لم يشعر أصحابها بإنصاف حقيقي في التطبيق.
ومن زاوية أعمق، فإن الحديث عن “خلق بيئة قانونية آمنة ومحفزة” يكشف وعياً متزايداً بأن الاستثمار في الثقافة لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح قطاعاً اقتصادياً قائماً بذاته. فالمحتوى الثقافي اليوم يدخل في صلب الصناعات الإبداعية التي تدرّ دخلاً وتخلق فرص شغل وتساهم في القوة الناعمة للدول. غير أن هذا الاستثمار لا يمكن أن يزدهر في بيئة يسودها التعدي على الحقوق أو غياب الحماية القانونية الكافية. لذلك تبدو هذه الرؤية وكأنها محاولة للانتقال من ثقافة الاستهلاك المجاني للمحتوى إلى ثقافة احترام الملكية الفكرية باعتبارها حقاً مشروعاً.
كما أن العبارة المتعلقة بضمان “العيش الكريم من ثمار الإبداع” تحمل بعداً اجتماعياً وإنسانياً بالغ الأهمية؛ فهي تعترف ضمنياً بأن المبدع العربي والمغربي عانى طويلاً من المفارقة المؤلمة: إنتاج فكري غني يقابله ضعف في العائد المادي. ولذلك فإن ربط الإبداع بالكرامة المعيشية يعد تحولاً في النظرة إلى الكاتب والفنان، من كونه صاحب رسالة معنوية فقط، إلى كونه أيضاً صاحب حق اقتصادي يجب أن يُصان.
غير أن نجاح هذه الرؤية يبقى رهيناً بعدة شروط، أهمها التطبيق الصارم للقانون، وتحديث آليات المراقبة الرقمية، ونشر ثقافة احترام حقوق المؤلف داخل المجتمع، لأن القوانين مهما بلغت قوتها تبقى محدودة الأثر إذا لم تسندها تربية مجتمعية تؤمن بأن حماية الإبداع هي حماية للهوية والمعرفة والتنمية.
وفي المحصلة، فإن هذه الأفكار تعكس توجهاً يسعى إلى بناء توازن بين حماية الحقوق وتحفيز الإنتاج الثقافي، بما يجعل الثقافة ليست مجرد مجال رمزي، بل رافعة اقتصادية وحضارية تحفظ للمبدع مكانته وتصون للمجتمع ثروته الفكرية.













