الساحل بريس / الصغير محمد
في مشهد سياسي يتسم بتكرار الوجوه وتناوب نفس الأحزاب على مواقع القرار، يبرز سؤال يزداد إلحاحًا مع كل استحقاق انتخابي: هل يملك الناخب المغربي الجرأة الكافية للمغامرة بخيارات سياسية مختلفة؟ أم أن منطق “المجرب” سيظل محددًا أساسيًا لسلوكه الانتخابي، فيعيد إنتاج نفس التوازنات تحت عناوين مختلفة؟
لقد اختبر المغاربة خلال العقود الأخيرة تجارب متعددة قادتها أو شاركت فيها قوى سياسية بارزة مثل حزب الاستقلال وحزب العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار، إلى جانب أحزاب ذات حضور تاريخي كـالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية والحركة الشعبية والإتحاد الدستوري و الأصالة والمعاصرة … غير أن هذا التعدد لم يُترجم دائمًا إلى تنافس فعلي بين مشاريع مجتمعية متباينة بوضوح، بل غالبًا ما بدا وكأنه اختلاف في الواجهات أكثر منه في العمق، وهو ما ساهم في تآكل الثقة لدى جزء مهم من الناخبين.
هذا التآكل لا يرتبط فقط بحصيلة السياسات العمومية، بل أيضًا بطبيعة الحقل السياسي نفسه، حيث تظل آليات إنتاج النخب محدودة، ويصعب على قوى جديدة اختراق البنية التقليدية. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ“مفارقة الاختيار”: الناخب مدعو للتغيير، لكنه محاط بخيارات متقاربة، ما يجعله يميل إلى “الأقل مخاطرة” بدل “الأكثر اختلافًا”.
في هذا السياق، تبرز أحزاب ظلت خارج دائرة التدبير الحكومي، مثل الحزب الاشتراكي الموحد، والتي تقدم نفسها كبديل سياسي بخطاب يركز على العدالة الاجتماعية، وتعزيز دور الدولة في الخدمات الأساسية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في طرح البديل، بل في إقناع الناخب بجدواه وقدرته على التحول إلى سياسات قابلة للتنفيذ، خصوصًا في ظل تعقيدات الاقتصاد الوطني والتوازنات المؤسساتية.
يقول جون ستيوارت ميل: “الأشخاص الذين لا يمارسون حريتهم في الاختيار يفقدونها تدريجيًا”. هذه المقولة تضع جوهر الإشكال في مكانه الصحيح: فالمشاركة السياسية ليست فقط حقًا، بل ممارسة واعية تتطلب استعدادًا لتحمل نتائج الاختيار، بما في ذلك احتمال الخطأ. فالديمقراطية، في أحد أوجهها، هي القدرة على تصحيح الأخطاء عبر التداول، لا تجنبها عبر الجمود.
لكن سلوك الناخب المغربي لا يُختزل في هذا البعد القيمي فقط، بل تحكمه شبكة معقدة من المحددات. فهناك العامل الاجتماعي، حيث تلعب الروابط المحلية والاعتبارات الزبونية دورًا في توجيه التصويت، والعامل الاقتصادي الذي يجعل فئات واسعة تبحث عن الاستقرار أكثر من التغيير، إضافة إلى تأثير الخطاب السياسي نفسه، الذي قد يفشل أحيانًا في تبسيط الرهانات الكبرى وربطها باليومي المعيشي للمواطن.
من جهة أخرى، لا يمكن إغفال مسؤولية الأحزاب التي تقدم نفسها كبديل. فالبقاء الطويل في موقع المعارضة قد يمنحها شرعية نقدية، لكنه لا يكفي لبناء ثقة انتخابية واسعة. الناخب اليوم لا يكتفي بالشعارات الكبرى، بل يبحث عن تفاصيل: كيف سيتم إصلاح التعليم؟ ما هي مصادر تمويل السياسات الاجتماعية؟ كيف يمكن خلق فرص شغل في سياق اقتصادي دولي متقلب؟ هذه الأسئلة تتطلب برامج دقيقة، وأطرًا قادرة على التدبير، وخطابًا يجمع بين الواقعية والطموح.
إن الإشكال، إذن، ليس فقط في استعداد الناخب للمغامرة، بل أيضًا في جودة العرض السياسي المقدم له. فكلما كان هذا العرض واضحًا ومتماسكًا، كلما تراجعت كلفة “المغامرة” وتحولت إلى خيار عقلاني، لا مجرد قفزة في المجهول.
في العمق، يعكس هذا النقاش انتقالًا بطيئًا في الوعي السياسي المغربي، من التصويت القائم على الانتماء أو العادة، إلى تصويت أكثر ارتباطًا بالتقييم والمحاسبة. غير أن هذا الانتقال لا يزال في طور التشكل، ويتطلب وقتًا، كما يتطلب بيئة سياسية تسمح بتكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا على أكثر من احتمال: هل سيستمر الناخب المغربي في ترجيح كفة الاستقرار عبر إعادة انتخاب نفس الأحزاب، أم سيقرر خوض تجربة جديدة قد تعيد رسم ملامح التدبير الحكومي؟ بين الحذر المشروع والرغبة في التغيير، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، ويُختبر مدى نضج التجربة الديمقراطية في قدرتها على إنتاج بدائل حقيقية، لا فقط تدوير نفس الخيارات.













