عيد الأضحى بمدينة الداخلة: بين جوهر العبادة وإكراهات العادة

هيئة التحريرمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
عيد الأضحى بمدينة الداخلة: بين جوهر العبادة وإكراهات العادة

بقلم : د. محمد سالم اولحسن

​تكتسي أجواء عيد الأضحى المبارك في مدينة الداخلة، لؤلؤة الجنوب المغربي، طابعاً خاصاً يمتزج فيه العبق الإيماني بالتقاليد الصحراوية الأصيلة. غير أن هذه المناسبة الدينية العظيمة باتت تعيش في السنوات الأخيرة تجاذباً واضحاً بين مقاصدها الشرعية القائمة على العبادة والتقرب إلى الله، وبين بعض السلوكيات الدخيلة التي حولتها إلى عادة مثقلة بالمظاهر والإكراهات الاجتماعية.

​أولاً: الأبعاد الروحية والاجتماعية للأضحية (الداخلة تنبض بالقيم)
​في شقها الإيماني والإنساني، يمثل عيد الأضحى بالداخلة محطة سنوية لتجديد أواصر التلاحم والتكافل. وتتجلى أهمية هذه الشعيرة في أبعاد متعددة:
​إحياء السنة وتحقيق العبادة: يحرص ساكنة الداخلة على تعظيم شعائر الله من خلال ذبح الأضحية، اتباعاً للسنة النبوية المؤكدة واستشعاراً لقيم التضحية .
​التنفيس عن العيال وإدخال السرور: يشكل العيد فرصة ذهبية لكسر روتين الحياة اليومية، حيث تجتمع العائلات في الداخلة حول مائدة واحدة، ويسهم شراء الأضحية وملابس العيد في إدخال الفرحة والبهجة على قلوب الأطفال، تجسيداً للمقصد الشرعي في التوسعة على الأهل.
​التضامن والتكافل الاجتماعي: تتميز المدينة بروح التضامن؛ فلا يمكن أن يمر العيد وهناك بيت محروم. تنشط الجمعيات المحلية والمبادرات الشبابية والعائلية لتوزيع اللحوم على الفئات الهشة، ودعم الأسر المعوزة لضمان كرامتها في هذا اليوم المبارك.

​ثانياً: تحديات العادة.. من حب الظهور إلى جشع الأسواق
​على الجانب الآخر، بدأت تطفو على السطح سلوكيات سلبية تخدش جوهر هذه الشعيرة وتحولها من عبادة يسيرة إلى عبء اجتماعي ونفسي:
​آفة “الفخر والرياء” وحب الظهور: تحولت الأضحية لدى البعض من قربان يبتغى به وجه الله إلى وسيلة للمباهاة والتفاخر بنوع الكبش وحجمه وثمنه… هذا السلوك الاستعراضي يمارس ضغطا نفسيا رهيبا على الأسر ذات الدخل المحدود، التي تجد نفسها مضطرة للاقتراض أو بيع أثاث بيتها لمجرد “مجاراة الجيران” وتجنب نظرات المجتمع.
​المضاربة الإشهارية وسوء التجارة: يشهد السوق الجديد للمواشي بالداخلة (الرحبة) مع اقتراب العيد دخول وسائط ومضاربين “الشناقة” يستغلون إقبال المواطنين لرفع الأسعار بشكل غير مبرر. هذا الجشع التجاري يضرب في العمق القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود والفقراء، ويحول شعيرة دينية إلى موسم للربح السريع على حساب جيوب البسطاء.
​استغلال حاجة الفقراء: إن الإساءة في التجارة واحتكار الأضاحي يضعفان من قدرة الطبقات الهشة على عيش فرحة العيد بكرامة، مما يحول المناسبة من مصدر للفرح إلى منبع للقلق والهموم للكثير من أرباب الأسر.
​نحو تصحيح المسار: العودة إلى الجوهر
​إن حماية الأجواء الروحية لعيد الأضحى بمدينة الداخلة تستدعي وقفة وعي جماعية لتخليص هذه الشعيرة من شوائب “العادة” السيئة والارتقاء بها في معارج “العبادة” الخالصة:
​ إن قيمة الأضحية عند الله تنبع من التقوى والنية الصادقة، كما قال تعالى: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ}.
​ولتحقيق التوازن، يتعين على المجتمع المحلي والمثقفين وأصحاب الشأن والمجالس العلمية…
​محاربة ثقافة المظاهر، والتركيز على أن الأضحية تشترى على قدر الاستطاعة والمقدرة المالية دون تكلف.

و​تشديد الرقابة على الأسواق لقطع الطريق على المضاربين وحماية المستهلكين وذوي الدخل المحدود من الجشع وتأمين أسعار عادلة للجميع عبر بيع الاضاحي بالوزن
​توسيع قنوات التضامن الخفي عبر تعزيز الهبات والصدقات للأسر المتعففة دون بهرجة أو تصوير يمس بكرامتهم.

​بذلك فقط، ستظل الداخلة، بأصالتها وكرم أهلها، نموذجاً يحتذى به في إحياء معالم الدين السمح، حيث تلتقي متعة العبادة ببهجة العادة في أبهى صور التلاحم الإنساني و الصحراوي…

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة