الأحزاب السياسية بالأقاليم الجنوبية.. حين تتقدم الروابط الاجتماعية على الانتماءات الإيديولوجية

هيئة التحرير22 يونيو 2026آخر تحديث :
الأحزاب السياسية بالأقاليم الجنوبية.. حين تتقدم الروابط الاجتماعية على الانتماءات الإيديولوجية

الساحل بريس / الصغير محمد

في المشهد السياسي بالأقاليم الجنوبية للمملكة، تبدو المعادلة الانتخابية مختلفة إلى حد بعيد عن التصورات الكلاسيكية التي تأسست عليها الأحزاب السياسية الحديثة. فبينما تقوم الأحزاب، نظريا، على التنافس بين البرامج والرؤى والإيديولوجيات، يبرز في الواقع المحلي عامل آخر أكثر تأثيرا وحضورا، يتمثل في المكانة الاجتماعية للأشخاص وشبكات العلاقات التي ينسجونها داخل المجتمع.

ومن يتأمل مسار الحياة الحزبية بالمنطقة يلاحظ أن الناخب، في كثير من الأحيان، لا يحسم اختياره بناء على المرجعية الفكرية للحزب أو موقعه ضمن الخارطة السياسية، بل ينظر أساسا إلى الشخص المرشح ومدى قربه من محيطه الاجتماعي وقدرته على التفاعل مع انتظارات المواطنين وقضاء مصالحهم اليومية. وهنا تتحول الثقة من المؤسسة الحزبية إلى الفرد، ومن البرنامج السياسي إلى العلاقة المباشرة التي تجمع المنتخب بالناخب.

هذه الخصوصية جعلت الولاء السياسي يرتبط بالأشخاص أكثر مما يرتبط بالمؤسسات الحزبية. لذلك ليس مستغربا أن ينتقل عدد من المنتخبين والفاعلين السياسيين بين أحزاب مختلفة خلال المحطات الانتخابية المتعاقبة دون أن يثير ذلك الكثير من التساؤلات لدى قواعدهم الانتخابية. فمنذ انتخابات 2007 وصولا إلى محطة 2021، أظهرت التجربة السياسية بالأقاليم الجنوبية أن انتقال بعض الفاعلين بين أحزاب متعددة لم يكن كفيلا بإضعاف حضورهم الانتخابي، بل إن جزءا مهما من قواعدهم ظل يرافقهم من حزب إلى آخر، في مؤشر واضح على أن الشخص يتقدم أحيانا على الحزب، وأن الروابط الاجتماعية تتفوق على الاعتبارات الإيديولوجية في تشكيل السلوك الانتخابي.

ولا يعني ذلك غياب السياسة بشكل كامل، بقدر ما يعكس حضورا قويا للبنية الاجتماعية التقليدية داخل الفضاء الحزبي. فالقبيلة والعائلة وشبكات القرابة والعلاقات الشخصية ما تزال تؤدي دورا محوريا في تشكيل الخريطة الانتخابية، وهو ما يجعل الأحزاب تتحول أحيانا إلى أوعية تنظيمية تستوعب هذه التوازنات الاجتماعية بدل أن تكون فضاءات لإنتاج الأفكار وتأطير المواطنين سياسيا.

وتزداد هذه الظاهرة وضوحا عندما تصبح بعض الأحزاب مرتبطة في الوعي الجماعي بأسماء عائلات أو شخصيات نافذة تمكنت مع مرور الزمن من بسط نفوذها على مفاصل التنظيم المحلي. عندها لا يعود الحزب يُعرف بمرجعيته السياسية بقدر ما يُعرف باسم العائلة أو المجموعة التي تتولى تدبير شؤونه وتوجيه قراراته. وهو واقع يطرح أسئلة عميقة حول حدود الديمقراطية الداخلية ومدى قدرة الأحزاب على تجديد نخبها وفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة، بعيدا عن منطق الولاءات المغلقة ومراكز النفوذ التقليدية.

إن الأزمة الحقيقية لا تكمن في انتقال الأشخاص بين الأحزاب، فذلك حق سياسي مشروع تكفله الديمقراطية، وإنما في ضعف الثقافة الحزبية القائمة على الاقتناع الفكري والالتزام البرنامجي. فعندما يصبح الحزب مجرد وسيلة لبلوغ المناصب أو إطار لتدبير التوازنات الاجتماعية، تتراجع وظيفته الأساسية المتمثلة في تأطير المواطنين وصياغة المشاريع المجتمعية والدفاع عنها.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة الاعتبار للعمل الحزبي باعتباره مدرسة للمواطنة ومجالا لإنتاج النخب والكفاءات، لا مجرد آلية انتخابية موسمية. فترسيخ الديمقراطية لا يمر فقط عبر تنظيم الانتخابات، بل يتطلب أيضا أحزابا قوية بمؤسساتها، واضحة في رؤاها، وقادرة على إقناع المواطنين ببرامجها لا بأسماء مرشحيها فقط.

ويبقى السؤال مفتوحا: هل تستطيع الأحزاب بالأقاليم الجنوبية الانتقال من منطق الزعامات الاجتماعية والعائلية إلى منطق المؤسسات السياسية الحديثة؟ أم أن خصوصيات البنية الاجتماعية ستظل المحدد الأكثر تأثيرا في رسم الخريطة الحزبية وتوجيه السلوك الانتخابي خلال السنوات المقبلة؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة