الساخل بريس / الصغير محمد
تدخل جهة الداخلة وادي الذهب على إيقاع استحقاق انتخابي لا تبدو تداعياته محصورة في سباق الفوز بعضوية مجلس النواب، بل تمتد إلى مؤسسة جهوية تعد من أبرز فضاءات القرار الترابي بالجهة. فمع إعلان عدد من أعضاء مجلس الجهة عزمهم خوض الانتخابات التشريعية، يبرز نقاش سياسي وقانوني حول مستقبل تركيبة المجلس، وما إذا كانت نتائج هذا الاستحقاق ستعيد رسم موازين القوى داخله.
المشهد الحالي يكشف أن رئيس مجلس الجهة، الخطاط ينجا، يستعد لخوض الانتخابات التشريعية بإقليم وادي الذهب، بينما يخوض النائب الأول للرئيس، أمبارك حمية، المنافسة باسم حزب الاستقلال، رغم أنه انتخب خلال الاستحقاقات السابقة باسم حزب التجمع الوطني للأحرار. كما يبرز اسم محمد بوبكر، عضو مجلس الجهة، مرشحاً لحزب الاستقلال، في حين أنه ولج المجلس الجهوي باسم حزب التقدم والاشتراكية. وإلى جانب هذين الاسمين، يستعد كل من محمد الأمين حرمة الله والناجم بكار لخوض السباق الانتخابي، لتجد المؤسسة الجهوية نفسها أمام وضعية غير مألوفة، حيث يتحول عدد من أعضائها إلى متنافسين في استحقاق وطني قد تكون له انعكاسات داخل المجلس نفسه.
غير أن النقاش اليوم لا يتعلق فقط بنتائج الانتخابات، بل بما قد تفرزه من أسئلة قانونية وسياسية.
فهل سيحتفظ أمبارك حمية بمنصبه نائباً أول لرئيس مجلس الجهة، رغم ترشحه باسم حزب غير الحزب الذي انتخب باسمه؟ وهل سيواصل محمد بوبكر عضويته داخل المجلس الجهوي بعد انتقاله إلى حزب الاستقلال، أم أن الأمر قد يثير نقاشاً قانونياً حول وضعيته الانتدابية؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بمنطق التحليل السياسي وحده، لأن حسمها يبقى رهيناً بالمقتضيات القانونية المنظمة لعضوية المجالس الترابية، وبما قد يصدر عن الجهات المختصة إذا أثيرت هذه الحالات بشكل رسمي. لذلك، فإن أي حديث عن بقاء أو مغادرة بعض الأعضاء للمجلس يظل، في هذه المرحلة، مجرد فرضيات سياسية وقانونية وليست وقائع محسومة.
ومن هنا يمكن تصور أكثر من سيناريو.
السيناريو الأول، وهو الأكثر هدوءاً، يقوم على استمرار تركيبة المجلس كما هي، إذا لم يترتب قانوناً على تغيير الانتماء الحزبي أو الترشح للانتخابات التشريعية أي أثر على العضوية أو المسؤوليات داخل المجلس. وفي هذه الحالة، ستظل الانتخابات البرلمانية حدثاً سياسياً منفصلاً عن السير العادي للمؤسسة الجهوية.
أما السيناريو الثاني، فيفترض أن تثار إشكالات قانونية بشأن وضعية بعض الأعضاء الذين غيروا انتماءهم الحزبي، وهو ما قد يفتح الباب أمام مساطر قانونية تنتهي، بحسب ما تقرره الجهات المختصة، إلى تثبيت الوضع القائم أو ترتيب آثار قانونية على العضوية أو المسؤوليات داخل المجلس.
ويذهب السيناريو الثالث إلى أن التأثير الأكبر قد لا يكون قانونياً، بل سياسياً. فإذا أفرزت الانتخابات موازين قوى جديدة، فقد تشهد المؤسسة إعادة ترتيب للتحالفات أو توزيعاً مختلفاً لمراكز التأثير، حتى لو لم تتغير تركيبتها القانونية. فالتحالفات داخل المجالس المنتخبة لا تتحكم فيها النصوص وحدها، بل تصنعها أيضاً التحولات السياسية وموازين القوة التي تفرزها الانتخابات.
في المقابل، هناك من يراهن على خصوصية التجربة السياسية بجهة الداخلة وادي الذهب، التي قامت خلال السنوات الماضية على منطق التوافق أكثر من منطق الصراع، وهو ما قد يجعل المجلس قادراً على تجاوز المرحلة الانتخابية دون أن تمس استقراره أو تؤثر في وتيرة تنزيل المشاريع التنموية.
لكن، مهما كانت الفرضية الأقرب إلى التحقق، فإن أولى دورات مجلس الجهة بعد الانتخابات ستكون محط أنظار المتابعين، ليس فقط بسبب الملفات المدرجة في جدول الأعمال، بل لأنها ستكشف ما إذا كانت المؤسسة ستواصل عملها بالتركيبة نفسها، أم أن الانتخابات وما قد يترتب عنها قانونياً وسياسياً ستفتح صفحة جديدة في تاريخ المجلس.
ولعل السؤال الذي سيبقى مطروحاً إلى حين اتضاح الصورة ليس من سيفوز بمقاعد مجلس النواب، وإنما: من سيبقى داخل مجلس جهة الداخلة وادي الذهب، ومن قد يغادره إذا أملت النصوص القانونية ذلك؟ وبين هذا وذاك، سيظل القانون هو الفيصل، بينما ستكشف الممارسة السياسية ما إذا كانت التحالفات الحالية قادرة على الصمود أمام أول اختبار انتخابي بهذا الحجم.













