الداخلة الأطلسي يفتح جبهة تنافس جديدة.. جزر الكناري تترقب التحولات المينائية

هيئة التحريرمنذ 38 دقيقةآخر تحديث :
الداخلة الأطلسي يفتح جبهة تنافس جديدة.. جزر الكناري تترقب التحولات المينائية

الداخلة – الساحل بريس

تتجه الأنظار الإسبانية نحو التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع المينائي بالمغرب، في ظل تنامي الاستثمارات الاستراتيجية للمملكة على الواجهتين المتوسطية والأطلسية، حيث بات مشروع ميناء الداخلة الأطلسي يثير نقاشا متزايدا في جزر الكناري بشأن انعكاساته المحتملة على تنافسية الموانئ الإسبانية وموقعها ضمن شبكات التجارة البحرية الدولية.

ويأتي هذا الاهتمام في سياق صعود الحضور المغربي في قطاع النقل البحري، مدفوعا باستثمارات كبرى في البنيات التحتية والخدمات اللوجستية، جعلت المملكة تعزز موقعها تدريجيا في معادلة التنافس على حركة الحاويات والتجارة العابرة للقارات. ويبرز ميناء طنجة المتوسط بوصفه النموذج الأوضح لهذه الدينامية، بعدما سجل مناولة أكثر من 11.1 مليون حاوية خلال سنة 2025، مقابل 4.7 ملايين حاوية بميناء الجزيرة الخضراء و5.6 ملايين بميناء فالنسيا، وفق الأرقام الواردة في التقرير الإسباني.

وتعكس هذه المؤشرات تحولا لافتا في موازين المنافسة بمضيق جبل طارق، حيث لم يعد المغرب مجرد فضاء لعبور المبادلات التجارية، بل أصبح قطبا مينائيا ولوجستيا يستقطب اهتمام شركات النقل البحري، مستفيدا من موقعه الجغرافي واستثماراته المتواصلة في تطوير قدراته التشغيلية.

وفي امتداد لهذه الاستراتيجية، يبرز ميناء الناظور غرب المتوسط باعتباره مشروعا رئيسيا لتعزيز الحضور المغربي على الواجهة المتوسطية، فيما يمثل ميناء الداخلة الأطلسي رهانا استراتيجيا لتوسيع المجال الاقتصادي للمملكة نحو غرب إفريقيا، وترسيخ موقع الأقاليم الجنوبية كحلقة وصل بين الأسواق الإفريقية والأوروبية والأمريكية.

ولا تقتصر أبعاد المشروع على تطوير البنية المينائية، بل ترتبط أيضا برؤية أوسع لتعزيز الربط التجاري واللوجستي مع العمق الإفريقي، وتوسيع آفاق التعاون جنوب-جنوب. كما يتقاطع مع المبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس، والرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، بما يدعم الاندماج الاقتصادي الإفريقي ويفتح أمام هذه الدول منافذ إضافية نحو الأسواق الدولية.

قلق في جزر الكناري من التحولات المرتقبة

في المقابل، بدأت تداعيات هذا التوسع تحظى باهتمام متزايد لدى المسؤولين في جزر الكناري، حيث عبر رئيس مجلس جزيرة غران كناريا، أنطونيو موراليس، عن مخاوفه من التأثير المحتمل لميناء الداخلة الأطلسي على تنافسية المنشآت المينائية التابعة للأرخبيل.

وجاءت هذه التصريحات خلال تقديم دراسة تقنية أعدتها جامعة لاس بالماس دي غران كناريا بطلب من المجلس، بهدف تقييم التحديات التي قد يطرحها المشروع المغربي أمام ميناء لاس بالماس، خصوصا في ظل التحولات التي تعرفها شبكات النقل البحري والخدمات اللوجستية في مناطق غرب إفريقيا ووسط المحيط الأطلسي.

واعتبر موراليس أن ميناء الداخلة الأطلسي صمم، بحسب تقديره، ليكون منافسا استراتيجيا لميناء «لا لوث» وباقي المنشآت المينائية في لاس بالماس، محذرا من أن تنامي القدرات المينائية المغربية قد ينعكس على توزيع بعض الأنشطة الاقتصادية والتجارية التي يعتمد عليها الأرخبيل.

غير أن الدراسة لا تعتبر المشروع المغربي تهديدا مباشرا وفوريا من شأنه إزاحة ميناء لاس بالماس من موقعه الحالي، بل تنبه إلى تحولات هيكلية في البيئة التنافسية تستوجب الاستعداد المبكر. فالموانئ الجديدة باتت قادرة على الاستفادة من تجهيزات حديثة وأنظمة تشغيل مؤتمتة ومناطق صناعية وحلول متطورة في مجال الطاقة، بما قد يمنحها فرصا متزايدة لاستقطاب الاستثمارات والخدمات البحرية.

وتكتسي هذه المخاوف أهمية خاصة بالنسبة إلى جزر الكناري، بالنظر إلى اعتماد اقتصادها على النقل البحري، إذ تشير الدراسة إلى أن أكثر من 99 في المائة من البضائع التي تدخل الأرخبيل، محسوبة بالطن، تصل عبر البحر. وهو ما يجعل أي تحول في مسارات التجارة أو تراجع في تنافسية الموانئ عاملا قد يؤثر على تكاليف التموين وسلاسل الإمداد ونشاط المقاولات، فضلا عن انعكاساته المحتملة على المستهلكين.

«مرسى المغرب» تدخل على خط المنافسة

وبموازاة الرهانات المرتبطة بميناء الداخلة الأطلسي، أثار دخول شركة «مرسى المغرب» إلى رأسمال «بولودا ماريتايم تيرمينالز»، التابعة للمجموعة الإسبانية «بولودا»، اهتماما إضافيا لدى المسؤولين في غران كناريا.

وتنص الصفقة، التي أعلن عنها في دجنبر 2025 بقيمة 80 مليون يورو، على استحواذ الشركة المغربية على حصة تبلغ 45 في المائة من رأسمال الشركة، مع احتفاظ المجموعة الإسبانية بالأغلبية وبإدارة النشاط. وتدير «بولودا ماريتايم تيرمينالز» تسع محطات مينائية موزعة بين البر الإسباني الرئيسي وجزر الكناري، وقد تجاوز حجم الحاويات التي تداولتها مليون حاوية خلال سنة 2024، وفق المعطيات الواردة في التقرير.

وربط موراليس هذه العملية بتوسع المنظومة المينائية المغربية، معربا عن تخوفه من احتمال أن تتيح مساهمة «مرسى المغرب» حضورا داخل مجلس إدارة السلطة المينائية للاس بالماس، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لهذا القطاع بالنسبة إلى اقتصاد الأرخبيل.

وفي المقابل، تتيح الشراكة بين الطرفين توسيع مجالات التعاون التجاري واللوجستي، من خلال شبكة مشتركة تضم، بحسب ما أعلنته مجموعة «بولودا»، 34 محطة موزعة على 20 ميناء في إسبانيا وجزر الكناري وإفريقيا، بما يعزز إمكانات الربط بين الأسواق على ضفتي مضيق جبل طارق.

وأمام هذه التحولات، دعا رئيس مجلس غران كناريا إلى تنسيق جهود المؤسسات المحلية وتعزيز قدرتها على مواكبة المنافسة المينائية المتنامية، مؤكدا ضرورة الحصول على معطيات دقيقة بشأن المشاريع المغربية وتقييم انعكاساتها المحتملة، بدل الاكتفاء بردود الفعل بعد ظهور آثارها الاقتصادية.

وتكشف هذه التطورات عن تحول أوسع في طبيعة المنافسة البحرية بالمنطقة، إذ لم تعد تقتصر على حجم الحاويات أو عدد الأرصفة المينائية، بل باتت تشمل القدرة على استقطاب الاستثمارات الصناعية، وتطوير الخدمات اللوجستية، والتحكم في سلاسل الإمداد، وتعزيز الارتباط بالأسواق الإفريقية والدولية.

وبينما يواصل المغرب تنفيذ مشاريعه المينائية الكبرى، من طنجة المتوسط إلى الناظور غرب المتوسط وصولا إلى الداخلة الأطلسي، تتابع جزر الكناري هذه الدينامية باعتبارها عاملا قد يعيد تشكيل خريطة التنافس التجاري واللوجستي في المنطقة. وهكذا، يتجاوز ميناء الداخلة الأطلسي كونه مشروعا للبنية التحتية، ليصبح جزءا من رهانات استراتيجية أوسع تتعلق بموقع المغرب في التجارة البحرية الدولية ومستقبل توزيع الأدوار بين الموانئ على الواجهتين الأطلسية والمتوسطية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة