مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يعود الخطاب السياسي إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن: «البوطة تزادت»، «الخضرة غلات»، «الزيت طلع الثمن»… وهي قضايا حقيقية تمس القدرة الشرائية، لكنها لا يمكن أن تختزل وحدها النقاش حول مستقبل جهة بأكملها.
فالمواطن في الداخلة لا يحتاج إلى من يخبره بأن الأسعار ارتفعت، لأنه يعيش ذلك يومياً. ما يحتاجه هو أن يسمع من المرشح جواباً واضحاً عن سؤال أبسط وأصعب في الوقت نفسه: ماذا ستفعلون؟
من هنا تبدأ قيمة البرنامج الانتخابي الحقيقي.
فالداخلة وادي الذهب ليست مجرد دائرة انتخابية، وإنما جهة لها خصوصياتها الاقتصادية والجغرافية والاجتماعية، وتتوفر على مؤهلات كبيرة في الصيد البحري، وتربية الأحياء المائية، والسياحة، والفلاحة، والطاقات المتجددة والاستثمار.
لذلك، لا يبدو منطقياً أن تكتفي البرامج الانتخابية الموجهة إلى الناخب في الجهة بتكرار عناوين وطنية عامة، دون أن تجيب عن الأسئلة التي تفرضها خصوصية الداخلة وواقعها المتغير.
السكن، مثلاً، يحتاج إلى رؤية واضحة تتعلق بالوعاء العقاري، والسكن الاجتماعي، وتأهيل الأحياء، ومواكبة التوسع العمراني، وربط المناطق السكنية الجديدة بالمدارس والمراكز الصحية والطرق والنقل وباقي المرافق الأساسية.
أما التوسع العمراني، فيطرح سؤالاً أكبر: هل تملك الداخلة رؤية استباقية للمدينة التي تريد أن تكون عليها بعد سنوات؟ أم أن التخطيط سيظل دائماً في موقع اللحاق بالنمو السكاني والعمراني؟
وفي الصحة، لا يكفي تسجيل الخصاص في الأطر أو الخدمات، بل المطلوب طرح حلول عملية لاستقطاب الكفاءات، وتحسين العرض الصحي، وتقريب الخدمات من المواطنين، وتعزيز قدرة الجهة على الاستجابة لحاجيات سكانها.
وفي التعليم، لا ينبغي أن ينحصر النقاش في بناء المؤسسات، بل يجب أن يمتد إلى جودة التعليم والتكوين، وربط التخصصات بحاجيات الاقتصاد المحلي، حتى يصبح أبناء الجهة جزءاً من التحولات الاقتصادية التي تعرفها الداخلة، وليسوا مجرد متفرجين عليها.
أما التشغيل، فهو واحد من الملفات التي تختبر جدية أي برنامج. فالجهة تمتلك مؤهلات اقتصادية كبيرة، لكن السؤال الحقيقي هو: كيف يمكن تحويل هذه المؤهلات إلى فرص عمل مستدامة؟ وكيف يمكن ربط التكوين بحاجيات القطاعات الواعدة؟ وكيف يمكن أن تستفيد المقاولات والشباب المحلي من الاستثمارات والمشاريع الكبرى؟
والأمر نفسه ينطبق على الصيد البحري وتربية الأحياء المائية والسياحة والفلاحة والطاقات المتجددة. فوجود هذه القطاعات لا يمثل في حد ذاته نجاحاً كافياً؛ النجاح الحقيقي يقاس بحجم القيمة المضافة التي تنتج داخل الجهة، وبعدد فرص العمل التي تخلقها، وبمدى استفادة أبناء الداخلة من سلاسل الإنتاج والخدمات المرتبطة بها.
ثم هناك ملفات أخرى لا تقل أهمية: الماء، النقل، البيئة، البنية التحتية، الرياضة، الثقافة، الرقمنة، دعم المقاولات، والخدمات الإدارية، إضافة إلى الحاجة إلى تقوية الصرح المؤسساتي وتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين.
لهذا، فإن البرنامج الانتخابي الذي تحتاجه الداخلة ليس قائمة أمنيات، ولا خطاباً يعدد ما يعرفه المواطن أصلاً من مشاكل.
المطلوب هو برنامج يقول بوضوح: ما هي الأولويات؟ ما هي الحلول؟ من يملك صلاحية تنفيذها؟ ما الإمكانات المتاحة؟ وما النتائج التي يمكن تحقيقها؟
فالمنتخب لا يستطيع حل كل المشاكل بمفرده، كما أن بعض الملفات تدخل ضمن اختصاصات الحكومة أو مؤسسات أخرى. لكن بإمكانه أن يترافع، ويقترح، ويشرع، ويراقب، ويتابع، ويدافع عن مصالح الجهة ضمن المؤسسات التي يمثلها.
وهنا تكمن أهمية أن يكون للجهة صوت سياسي يحمل تصوراً واضحاً لمستقبلها، لا مجرد صوت انتخابي يظهر خلال الحملة ويختفي بعد إعلان النتائج.
الناخب في الداخلة لا يحتاج إلى من يكتشف له أن السكن تحدٍّ، أو أن الصحة تحتاج إلى تحسين، أو أن الشباب يبحث عن فرص العمل، أو أن المدينة تعرف توسعاً عمرانياً متسارعاً.
هو يريد أن يعرف: ما هي الوصفة؟
بعيداً عن خطاب المطبخ، وبعيداً عن اختزال السياسة في أسعار المواد الاستهلاكية، تبدو الحاجة اليوم أكبر إلى نقاش حول مستقبل الداخلة: أي مدينة نريد؟ أي نموذج اقتصادي نريد؟ كيف نستثمر مؤهلات الجهة؟ كيف نخلق فرصاً لأبنائها؟ وكيف نضمن أن يواكب التعليم والصحة والسكن والعمران هذا التحول؟
في النهاية، الانتخابات ليست مسابقة في تعداد المشاكل، لأن المواطن يعرف مشاكله جيداً.
إنها فرصة لعرض رؤى وحلول والتزامات قابلة للقياس.
والمرشح الذي يستطيع أن يقول للناخب: «هذه مشاكل جهتنا، وهذه أولوياتها، وهذه الحلول التي أقترحها، وهذه حدود صلاحياتي، وهذا ما سأعمل على تحقيقه ومتابعته» سيكون قد نقل الخطاب الانتخابي من مجرد كلام موسمي إلى تعاقد سياسي حقيقي مع المواطن.
ذلك هو النقاش الذي تستحقه الداخلة.













