لم يعد النقاش في الرباط مقتصراً على تداعيات المواقف داخل مجلس الأمن، بل بدأ يتجه نحو سؤال أكثر عمقاً يتعلق بمستقبل المسار الأممي برمته في قضية الصحراء المغربية. ففي تصريحات تحمل دلالات سياسية ودبلوماسية لافتة، كشف وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة عن توجه مغربي يقوم على تجاوز منطق التدبير التقليدي للنزاع، والانتقال نحو مراجعة الآليات التي ظلت تؤطر هذا الملف لعقود، بما ينسجم مع التحولات التي عرفتها القضية على المستويين الإقليمي والدولي.
وبحسب التصور الذي عرضه بوريطة، فإن التطور الأخير المرتبط بمجلس الأمن والبعثة الأممية «المينورسو» لا ينبغي اختزاله في حدود موقف دولة دائمة العضوية أو في تداعيات التصويت على مشروع قرار أممي، بل يتعين قراءته من زاوية أوسع، باعتباره مناسبة لإعادة طرح الأسس التي يقوم عليها تدبير النزاع، ومدى ملاءمتها مع الواقع السياسي والدبلوماسي الجديد.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس الدبلوماسية المغربية أن المملكة كانت تملك إمكانية إدخال تعديلات على مشروع القرار الأممي، سواء بحذف بعض العبارات أو تغيير مضامين معينة، بما يسمح بتجاوز التحفظات الروسية وضمان تمريره. غير أن الرباط اختارت، وفق التوجه الذي يستند إلى الرؤية الملكية، عدم الاكتفاء بتسوية تقنية تضمن استمرار العمل بالصيغة السابقة، وفضلت إثارة سؤال جوهري: إلى متى سيظل ملف الصحراء خاضعاً للآليات نفسها، رغم التغيرات العميقة التي طرأت على محيطه الدولي والسياسي؟
وتعكس هذه المقاربة توجهاً مغربياً نحو الانتقال من منطق إدارة النزاع إلى البحث عن شروط تسوية سياسية نهائية، بعدما ظلت القضية لسنوات طويلة مرتبطة بدورات متكررة من تجديد ولاية المينورسو، والتقارير الأممية، والمشاورات داخل مجلس الأمن، دون أن تفضي تلك الآليات إلى إنهاء الملف.
ولعل أبرز ما كشف عنه بوريطة في هذا الصدد هو أن مستقبل ولاية المينورسو يرتبط أيضاً بمستقبل الإطار المؤسساتي الذي ظل ينظم النقاش الأممي حول الصحراء. ذلك أن الاجتماعات الدورية لمجلس الأمن كانت ترتبط، إلى حد كبير، بعملية تجديد ولاية البعثة، والاستماع إلى تقارير الأمين العام للأمم المتحدة وإحاطات المبعوث الشخصي. وهو ما يفتح النقاش حول طبيعة الآليات التي يمكن أن تؤطر المرحلة المقبلة، في حال حدوث تغيير جوهري في وضعية البعثة وولايتها.
وبذلك، لا يتعلق الأمر، وفق القراءة المغربية، بمستقبل بعثة أممية فحسب، وإنما بمراجعة أوسع لطبيعة المسار الذي ظل يحكم التعاطي الدولي مع القضية، بما يشمل آليات التفاوض وأطرافه والمرجعيات التي يستند إليها، في ظل سياق دولي لم يعد مطابقاً للظروف التي نشأت فيها الترتيبات السابقة.
وفي المقابل، حرص بوريطة على التأكيد أن الموقف المغربي لا يعني التخلي عن الالتزامات المرتبطة بعمليات حفظ السلام أو تجاهل وضعية العاملين فيها، مشدداً على أن المملكة ستتعامل بمسؤولية مع العاملين في هذه العمليات، مع التأكيد على أن الأولوية تظل مرتبطة بإيجاد مخرج سياسي للنزاع، وليس الإبقاء على آليات تحتاج، وفق الرؤية المغربية، إلى مراجعة عميقة.
وتستند هذه المقاربة إلى التحولات التي عرفتها قضية الصحراء خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها اتساع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، وتطور مواقف عدد من القوى الدولية، فضلاً عن تعزيز المغرب لشراكاته الاستراتيجية في أوروبا وإفريقيا وعلى المستوى الدولي.
كما تأتي تصريحات بوريطة منسجمة مع الرسالة التي حملها بلاغ الديوان الملكي، والذي اعتبر التطور المرتبط بعدم تمديد ولاية المينورسو خطوة مهمة وذات دلالة في اتجاه الطي النهائي للنزاع حول الصحراء.
وبذلك، تضع الرباط ملامح مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من تدبير نزاع عمر عقوداً إلى البحث عن تسوية سياسية نهائية، تستحضر التحولات التي تحققت وتستند إلى مبادرة الحكم الذاتي التي تتمسك بها المملكة. فالرهان المغربي، وفق هذه الرؤية، لم يعد مقتصراً على كسب جولات دبلوماسية داخل مجلس الأمن، بل يتجه نحو إعادة صياغة أفق الحل السياسي، بما يفتح الطريق أمام إنهاء هذا الملف وتكريس الوحدة الترابية للمملكة.













