في رحلة امتدت لأكثر من 400 كيلومتر عبر مسالك وعرة وظروف مناخية صعبة، اختارت الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة الداخلة وادي الذهب أن تجعل من حق الأطفال في التعلم أولوية لا تعترف ببعد المسافات. فحين تتحول المدرسة إلى حلم يعيقه البعد الجغرافي، يصبح الوصول إلى الأطفال حيث يوجدون خطوة أساسية لبناء مستقبل أكثر إنصافاً وتكافؤاً للفرص.
في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز الحق في التمدرس وتوسيع الولوج إلى خدمات التربية والتكوين بمختلف مناطق جهة الداخلة وادي الذهب، قام السيد مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بزيارة ميدانية إلى منطقة جلوى التابعة لجماعة تشلا، والتي تبعد بنحو 400 كيلومتر عن مدينة الداخلة، عبر مسار يمر جزء كبير منه بمسالك غير معبدة وتضاريس صعبة.
وهدفت هذه الزيارة إلى الوقوف بشكل مباشر على واقع التمدرس بالمنطقة واستكشاف السبل الكفيلة بتقريب الخدمات التعليمية من الأطفال، لاسيما غير المتمدرسين منهم، بما يضمن استفادتهم من حقهم الدستوري في التعليم والتكوين.
وشكلت اللقاءات التي عقدها مدير الأكاديمية مع مختلف المتدخلين المحليين وممثلي الأسر فرصة لتشخيص الإكراهات التي تواجه تمدرس الأطفال، وفي مقدمتها البعد الجغرافي وقساوة الظروف الطبيعية، وما تفرضه من تحديات حقيقية أمام الولوج المنتظم إلى المؤسسات التعليمية.
كما تم خلال هذه الزيارة رصد وضعية الأطفال غير الملتحقين بالمدرسة، الذين تتراوح أعمارهم بين ست وستة عشر سنة، وهو ما يطرح الحاجة إلى اعتماد مقاربات تربوية مرنة ومبتكرة تراعي اختلاف الفئات العمرية ومستويات التعلم، وتستجيب للخصوصيات الاجتماعية والمجالية للمنطقة.
وأبرزت الزيارة كذلك الروح التضامنية التي تميز ساكنة جلوى ، من خلال انخراط الأسر والفاعلين المحليين في دعم جهود التمدرس، إلى جانب المبادرات التطوعية التي ساهمت في تأطير الأطفال ومواكبتهم، بما يعكس وعياً جماعياً بأهمية التعليم باعتباره رافعة أساسية للتنمية والاندماج الاجتماعي.
وخلصت الزيارة إلى تحديد مجموعة من التوجهات العملية الرامية إلى إيجاد حلول مستدامة لهذه الإشكالات، من بينها إعداد تشخيص دقيق للفئة المستهدفة، وتصنيف الأطفال حسب أعمارهم ومستوياتهم الدراسية، وتعزيز التعبئة المجتمعية من أجل إدماجهم في المنظومة التربوية، فضلاً عن دراسة إمكانية إرساء برنامج للتعليم الأصيل يستجيب لتطلعات الأسر المحلية، ويرتكز على تكوين وتأهيل مؤطرين من أبناء المنطقة وتوفير مسارات تعليمية تسهل اندماج المستفيدين في التعليم النظامي.
وتعكس هذه المبادرة الميدانية التزام الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين باعتماد سياسة القرب والإنصات للحاجيات الحقيقية للساكنة، وتجسيد مبدأ تكافؤ الفرص على أرض الواقع، تأكيداً على أن حق التعلم لا ينبغي أن تحده المسافات ولا أن تعرقله الظروف الطبيعية، مهما كانت قاسية أو بعيدة عن المراكز الحضرية.













