في زمنٍ باتت فيه الأصابع تتسابق على الشاشات، وتُختصر فيه المسافات بين البشر بينما تتسع المسافة بينهم وبين الكتاب، اختارت الداخلة أن تمنح الورق فرصة لاستعادة صوته، وأن تفتح للمطالعة نافذة على الهواء الطلق. هنا، على كورنيش حي مولاي رشيد، لم تكن الأمواج وحدها تتحرك مساء السبت 17 أكتوبر 2026، بل تحركت معها صفحات الكتب، في مشهد ثقافي أعاد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل ما زال للقراءة متسع في حياة تزدحم بكل شيء، إلا الوقت؟
بهذه الروح، احتضنت مدينة الداخلة النسخة الثالثة من مبادرة «ساعة للقراءة»، التي تنظمها جمعية مبادرة القراءة للجميع-الداخلة، تحت شعار «القراءة.. ترسيخ للهوية وبناء المواطنة الفاعلة»، في محاولة لنقل الكتاب من فضائه التقليدي إلى قلب الحياة اليومية، وجعل المعرفة أقرب إلى الناس، وأكثر حضوراً في الفضاء العام.
لم يكن اختيار الكورنيش تفصيلاً عابراً في مشهد المبادرة؛ فالكتاب الذي يغادر رفوف المكتبات ويلتقي بالمارة في فضاء مفتوح، يبعث برسالة تتجاوز حدود الاحتفاء الثقافي. إنه إعلان بأن القراءة ليست امتيازاً خاصاً بفئة دون أخرى، ولا طقساً نخبوياً محصوراً في القاعات، بل ممارسة إنسانية يمكن أن تبدأ من مقعد على شاطئ، أو من صفحة يفتحها عابر قرر أن يمنح عقله بعض الوقت.
وفي مدينة تتنفس من رئة المحيط، اكتسبت المبادرة بعداً رمزياً خاصاً. فبين اتساع البحر وضيق الوقت الذي تفرضه إيقاعات الحياة المعاصرة، بدا الكتاب مساحة أخرى للاتساع؛ مساحة تسمح للإنسان بأن يتوقف، ويتأمل، ويعيد ترتيب علاقته بالأفكار وبالعالم من حوله.
لكن السؤال لا يتعلق بالكتاب وحده، بل بما تصنعه القراءة في الإنسان. فالمطالعة ليست تكديساً للمعلومات، ولا استعراضاً للمعرفة، وإنما تدريب على التفكير، وقدرة على مساءلة المسلّمات، واستعداد للإصغاء إلى المختلف. ومن هنا تبرز الصلة التي اختارت الجمعية التعبير عنها بين القراءة والهوية والمواطنة؛ فالمواطن الواعي لا يكتفي بمعرفة انتمائه، بل يسعى إلى فهم واقعه، وإدراك حقوقه وواجباته، والمشاركة في بناء محيطه على أساس من المسؤولية.
وفي مواجهة عالم رقمي تتدفق فيه الأخبار والصور والمعلومات بلا انقطاع، لا تبدو الدعوة إلى القراءة حنيناً إلى زمن مضى، ولا إعلاناً للحرب على التكنولوجيا. فالشاشات ليست عدواً للكتاب بالضرورة، وإنما يكمن التحدي في كيفية استخدامها، وفي قدرة الإنسان على الانتقال من الاستهلاك السريع للمحتوى إلى الفهم العميق، ومن التصفح العابر إلى المعرفة التي تترك أثراً في الوعي والسلوك.
ومن هذه الزاوية، تكتسب مبادرة «ساعة للقراءة» أهميتها، لا لأنها تستطيع وحدها تغيير عادات مجتمع بأكمله، بل لأنها تفتح باباً للنقاش حول موقع الثقافة في الحياة اليومية، وحول مسؤولية المؤسسات التعليمية والأسر والجمعيات والجهات المعنية في جعل الكتاب متاحاً، والقراءة عادة مستمرة، لا مناسبة تنتهي بانتهاء الفعالية.
فالرهان الحقيقي يبدأ بعد انفضاض اللقاء. يبدأ حين يجد الطفل كتاباً يشده إلى القراءة، وحين تتحول المطالعة إلى جزء من الحياة داخل البيت والمدرسة، وحين تصبح الفضاءات العامة حاضنة للمعرفة، لا مجرد أماكن للعبور وقضاء الوقت. عندها فقط يمكن لساعة واحدة أن تتجاوز حدودها الزمنية، وأن تتحول إلى بداية لمسار أطول.
وتواصل جمعية مبادرة القراءة للجميع-الداخلة، من خلال نسختها الثالثة، الدفع بهذا الرهان إلى الأمام، مؤمنة بأن بناء مجتمع قارئ يبدأ بخطوات بسيطة، لكنه يحتاج إلى الاستمرارية والتراكم حتى يثمر وعياً أعمق ومشاركة مجتمعية أوسع.
على كورنيش الداخلة، لم يكن الكتاب في مواجهة الشاشة بقدر ما كان في مواجهة الاستسلام للسرعة والنسيان. وبين صفحة تُقرأ وإشعار يختفي، تظل هناك حقيقة تستحق التذكير: ليس المهم كم من المعلومات يمر أمام أعيننا، بل كم منها يستقر في عقولنا، ويغير طريقة فهمنا لأنفسنا وللعالم.













