من موسكو.. المنصوري تعرض رهانات الشراكة المغربية الروسية بأرقام لافتة ومشاريع استراتيجية بإفريقيا

هيئة التحرير29 أكتوبر 2026آخر تحديث :
من موسكو.. المنصوري تعرض رهانات الشراكة المغربية الروسية بأرقام لافتة ومشاريع استراتيجية بإفريقيا

في وقت تتسابق فيه القوى الدولية لتعزيز حضورها الاقتصادي داخل القارة الإفريقية، اختار المغرب من منصة القمة الروسية الإفريقية الثالثة بموسكو التأكيد على توجهه نحو تنويع شراكاته الدولية، والدفع بعلاقاته مع روسيا نحو آفاق أوسع من التعاون الاقتصادي والاستثماري. وفي هذا السياق، أبرزت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أن المبادلات التجارية بين روسيا وإفريقيا تجاوزت 27,7 مليار دولار خلال سنة 2025، مقابل 630 مليون دولار بين الرباط وموسكو، في مؤشرات تعكس حجم المصالح الاقتصادية القائمة والفرص المتاحة لتطويرها.

ومثلت المنصوري الملك محمد السادس في أشغال القمة المنعقدة بالعاصمة الروسية، حيث أكدت أن إفريقيا تحتل موقعا محوريا في السياسة الخارجية للمملكة، مشددة على استعداد المغرب لفتح آفاق جديدة للتعاون مع روسيا، على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وربط الشراكات الاقتصادية بمشاريع ملموسة تستجيب لأولويات التنمية بالقارة.

وخلال كلمتها أمام الجلسة العامة، دعت رئيسة الحكومة إلى الانتقال بالعلاقات الروسية الإفريقية من مرحلة الحوار والتخطيط المؤسساتي إلى التنفيذ الفعلي، بما يضمن تحويل الاتفاقيات والتفاهمات السياسية إلى نتائج اقتصادية وتنموية قابلة للقياس.

مشاريع مغربية برهانات قارية

وفي معرض استعراضها للتوجه الإفريقي للمملكة، سلطت المنصوري الضوء على عدد من المبادرات الاستراتيجية التي تراهن عليها الرباط لتعزيز الاندماج الاقتصادي وتطوير البنيات التحتية وتوسيع فرص التنمية، وفي مقدمتها مبادرة الدول الإفريقية الأطلسية، ومبادرة تمكين بلدان الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي.

وتستهدف هذه المبادرات تعزيز الربط بين الدول الإفريقية وتطوير الممرات التجارية واللوجستية، بما يتيح تحويل المؤهلات الجغرافية إلى فرص اقتصادية، ويسهم في تخفيف العزلة عن البلدان غير الساحلية وتوسيع منافذها نحو الأسواق الدولية.

كما استحضرت المنصوري مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الرابط بين نيجيريا والمغرب، باعتباره أحد المشاريع الكبرى المطروحة لتعزيز التعاون في مجال الطاقة، وتقوية الترابط الاقتصادي بين بلدان غرب إفريقيا، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والتنمية.

وتندرج هذه المشاريع ضمن رؤية مغربية تسعى إلى جعل البنيات التحتية والطاقة والتجارة أدوات لتعزيز التكامل الإقليمي، وتوفير شروط أكثر ملاءمة للنمو الاقتصادي والاستقرار بالقارة.

أربعة ملفات ترسم ملامح التعاون الروسي الإفريقي

وبخصوص مستقبل الشراكة بين موسكو والعواصم الإفريقية، أكدت رئيسة الحكومة أن المرحلة المقبلة تقتضي توجيه التعاون نحو أربعة مجالات أساسية، تتمثل في الأمن الغذائي، وأمن الطاقة، والتصنيع، ونقل التكنولوجيا.

ويأتي هذا التوجه في سياق تتزايد فيه التحديات المرتبطة بتقلبات الأسواق العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة، إلى جانب حاجة الاقتصادات الإفريقية إلى تعزيز قدراتها الإنتاجية وتقليص الاعتماد على استيراد المنتجات المصنعة.

كما يكتسي نقل التكنولوجيا أهمية خاصة في بناء شراكات تتجاوز المبادلات التجارية التقليدية، من خلال تطوير الكفاءات المحلية، وتبادل الخبرات، ودعم التصنيع، وخلق قيمة مضافة داخل البلدان الإفريقية.

وفي هذا الإطار، جددت المنصوري استعداد المغرب للمساهمة في إطلاق مشاريع تعاون جديدة ومبتكرة تجمع روسيا بالدول الإفريقية، بما ينسجم مع الأولويات التنموية للقارة ويعزز فرص الاستثمار والشراكات الإنتاجية.

27,7 مليار دولار في المبادلات الروسية الإفريقية

واستعرضت رئيسة الحكومة مسار تطور العلاقات الروسية الإفريقية منذ القمة الأولى التي احتضنتها مدينة سوتشي، مرورا بقمة سانت بطرسبرغ، مشيرة إلى ما تحقق على مستوى الحوار السياسي وإرساء آليات التنسيق وإعداد خطط العمل، فضلا عن إطلاق مبادرات في قطاعات متعددة.

ووفق الأرقام التي قدمتها المنصوري، تجاوز حجم المبادلات التجارية بين روسيا والدول الإفريقية 27,7 مليار دولار خلال سنة 2025، وهو ما يعكس حجم المصالح الاقتصادية بين الطرفين، ويطرح في الوقت ذاته تحدي الانتقال إلى شراكات أكثر تنوعا واستدامة.

ولا تقتصر مجالات التعاون المطروحة على التجارة والطاقة، بل تشمل أيضا البنيات التحتية والصحة والتعليم والتكوين ونقل التكنولوجيا، في ظل توجه عدد من الدول الإفريقية إلى تنويع شركائها الاقتصاديين وتوسيع خياراتها التنموية.

وأكدت المنصوري، في هذا السياق، أن أهمية القارة الإفريقية لا تختزل في مواردها الطبيعية، بل تمتد إلى مؤهلاتها البشرية وموقعها الجغرافي وتنوعها الاقتصادي والثقافي، وهي عناصر تعزز مكانتها في المعادلات الاقتصادية الدولية.

المغرب ضمن أبرز ثلاثة شركاء اقتصاديين لروسيا بإفريقيا

وعلى المستوى الثنائي، استحضرت المنصوري المسار التاريخي للعلاقات المغربية الروسية، التي تعززت بتوقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية سنة 2002، قبل أن تعرف دفعة جديدة مع إرساء الشراكة الاستراتيجية المعمقة خلال زيارة الملك محمد السادس إلى موسكو سنة 2016.

وأفادت رئيسة الحكومة بأن المغرب أصبح ضمن الشركاء الاقتصاديين الثلاثة الأوائل لروسيا داخل القارة الإفريقية، بعدما بلغت المبادلات التجارية بين البلدين 630 مليون دولار خلال سنة 2025، مع تسجيل ارتفاع الصادرات المغربية بنسبة 18 في المائة.

وتعكس هذه الأرقام، بحسب المعطيات المقدمة خلال القمة، تطور المبادلات بين البلدين، وتبرز إمكانات توسيع التعاون التجاري والاستثماري، خصوصا في القطاعات التي تتيح فرصا لتطوير الإنتاج وتنويع الصادرات وتعزيز حضور المقاولات المغربية في الأسواق الخارجية.

كما تفتح هذه المؤشرات المجال أمام بحث فرص إضافية للشراكة الاقتصادية، بما يواكب التحولات الدولية ويستجيب للمصالح المشتركة للرباط وموسكو.

أكثر من 7000 طالب مغربي في الجامعات الروسية

وفي الجانب الأكاديمي، كشفت المنصوري أن أكثر من 7000 طالب مغربي تابعوا دراستهم في روسيا خلال الموسم الجامعي 2024-2025، في مؤشر على امتداد العلاقات الثنائية إلى مجال التعليم العالي وتكوين الكفاءات.

ويمثل التعاون الجامعي أحد المسارات التي يمكن البناء عليها لتوسيع الشراكة المغربية الروسية، خاصة في المجالات العلمية والتكنولوجية والبحثية، التي تزداد أهميتها في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية.

ويعزز هذا البعد فرص تبادل الخبرات وتطوير القدرات البشرية، بما يتيح بناء علاقات أكثر تنوعا، لا تقتصر على التجارة والاستثمار، بل تشمل أيضا المعرفة والتكوين والتعاون العلمي.

لجنة مشتركة لبحث آفاق جديدة بين الرباط وموسكو

وفي ختام كلمتها، أشارت رئيسة الحكومة إلى وجود فرص إضافية لتعميق التعاون المغربي الروسي، خصوصا في مجالات الطاقة والعلوم والتكنولوجيا، مبرزة إحداث لجنة عمل مشتركة بين وزارتي الخارجية في البلدين، عقدت اجتماعها الأول خلال شتنبر 2026.

ومن شأن هذه الآلية المؤسساتية أن تتيح مجالا إضافيا لتنسيق المواقف وتحديد مجالات التعاون ذات الأولوية، فضلا عن بحث مشاريع جديدة تعزز العلاقات الثنائية وتوسع فرص الاستثمار والتبادل التجاري.

وتأتي هذه التحركات في سياق دولي يتسم بتنامي التنافس على الأسواق الإفريقية، فيما تسعى المملكة إلى تعزيز حضورها الاقتصادي بالقارة وتنويع شراكاتها الخارجية.

وبين أرقام المبادلات التجارية والمشاريع الاستراتيجية ومجالات التعاون الأكاديمي والتكنولوجي، حملت مشاركة المنصوري في قمة موسكو رسالة مفادها أن مستقبل الشراكة المغربية الروسية يرتبط بمدى القدرة على تحويل التفاهمات السياسية إلى مشاريع عملية، تخلق فرصا اقتصادية جديدة وتدعم التنمية والتكامل داخل إفريقيا.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة