بقلم: الصغير محمد | الساحل بريس
ليس من قبيل الصدفة أن يختار حزب الأصالة والمعاصرة تعزيز مكتبه السياسي بشخصيتين تختلفان في مجال اشتغالهما، لكنهما تلتقيان في نقطة جوهرية تتعلق بالتدبير والنتائج؛ فوزي لقجع، الذي راكم تجربة وازنة في تدبير الملفات المالية والميزانياتية، والخطاط ينجا، الذي ارتبط اسمه بتجربة التدبير الجهوي بجهة الداخلة وادي الذهب. وبين الرجلين تبدو هناك معادلة سياسية وتنموية تستحق القراءة، خصوصا في ظل التحولات التي تعرفها المرحلة الحكومية الجديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري.
فهل كان استقطاب لقجع مجرد رهان انتخابي على شخصية ذات حضور وطني وخبرة مالية؟ وهل كان استقطاب الخطاط ينجا مجرد توسيع للامتداد الجغرافي للحزب؟ أم أن الأمر يتعلق بمحاولة استثمار تجربتين مختلفتين لتشكيل مشروع سياسي يريد الانتقال من تدبير الأزمات إلى صناعة الأثر الاقتصادي والاجتماعي؟
لقجع.. حين تصبح القدرة على التمويل شرطا لنجاح المشروع الاجتماعي
يصعب الحديث عن أي مشروع حكومي طموح دون الحديث عن سؤال التمويل. فالوعود الاجتماعية، مهما كانت جاذبيتها، تظل مجرد التزامات سياسية ما لم تجد طريقها إلى الميزانية العامة، وما لم تتوفر لها الموارد وآليات التنفيذ والاستدامة.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم أهمية استقطاب فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة. فالرجل لا يمثل فقط شخصية رياضية ذات إشعاع دولي، بل يحمل تجربة في تدبير الميزانية والمالية العمومية، ويعرف تعقيدات التوازنات المالية، وحدود الإمكانات المتاحة، وكيفية تحويل الاختيارات السياسية إلى التزامات مالية قابلة للتنفيذ.
إن حضور لقجع داخل المشروع السياسي للبام يمنح الحزب امتدادا تقنيا واقتصاديا، خصوصا أن برنامجه للفترة 2027-2031 يتضمن غلافا ماليا يصل إلى 350 مليار درهم، موزعا على خمسة مواثيق استراتيجية، من بينها 150 مليار درهم للقدرة الشرائية، و50 مليار درهم لإدماج الشباب، و100 مليار درهم لميثاق المواطنة، و50 مليار درهم لميثاق الأمان.
وهنا تكمن الرسالة السياسية الأهم: لم يعد المطلوب فقط أن تقول الحكومة للمواطن إنها تريد بناء دولة اجتماعية، بل أن تجيب عن السؤال الأصعب: من أين ستأتي الموارد؟ وكيف ستوزع؟ ومتى سيشعر المواطن بنتائجها؟
المنصوري.. الرهان على حكومة تصل إلى جيب المواطن
لعل أبرز ما يميز التوجه الذي تحاول حكومة فاطمة الزهراء المنصوري تكريسه هو إعادة ترتيب الأولويات، ووضع القدرة الشرائية في صلب الخطاب الاقتصادي والاجتماعي.
فالمواطن المغربي لا يقيس نجاح الحكومة بعدد الاجتماعات، ولا بحجم التصريحات، ولا حتى بعدد المشاريع المعلن عنها، بقدر ما يقيسه بما يتبقى في جيبه بعد أداء الفواتير، وبما يستطيع توفيره لأسرته، وبمدى قدرته على الولوج إلى العلاج والتعليم والسكن، وبما إذا كان أبناؤه سيجدون فرصة حقيقية للشغل.
ومن هنا تبرز أهمية التوجه نحو رفع الدعم الاجتماعي المباشر تدريجيا، وإصلاح الضريبة على الدخل بما يسمح بتحسين الدخل الصافي للأجراء، وإصلاح التقاعد والرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات، إلى جانب التدابير المرتبطة بتخفيف أعباء الكهرباء عن الأسر المستحقة، والعمل على معالجة اختلالات أسواق المواد الغذائية وتقريب المنتج من المستهلك.
إنها مقاربة تنطلق من فكرة سياسية واضحة: لا يمكن الحديث عن النمو الاقتصادي بمعزل عن التوزيع الاجتماعي لثماره، ولا يمكن إقناع المواطن بنجاح المؤشرات الاقتصادية إذا لم ينعكس ذلك على معيشه اليومي.
وإذا نجحت الحكومة في تحويل هذه الالتزامات إلى إجراءات مستدامة، فإنها قد تكون أمام فرصة تاريخية لتقديم نموذج مختلف في التدبير الحكومي؛ نموذج لا يكتفي بتدبير الاقتصاد من أعلى، بل ينزل إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.
لماذا الخطاط ينجا؟.. لأن التنمية لا تبدأ وتنتهي في الرباط
إذا كان فوزي لقجع يمثل أحد مفاتيح المعادلة المالية والاقتصادية، فإن استقطاب الخطاط ينجا إلى المكتب السياسي للبام يحمل دلالات أخرى، تتصل بالتنمية الترابية وقدرة الجهات على تحويل السياسات العمومية إلى مشاريع ملموسة.
فالخطاط ينجا لم يأت إلى المكتب السياسي من فراغ، وإنما جاء محملا بتجربة في رئاسة مجلس جهة الداخلة وادي الذهب، وهي تجربة ارتبطت، خلال السنوات الماضية، بمجموعة من المبادرات ذات الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية.
لقد اتجهت البرامج الجهوية نحو دعم الأسر في وضعية هشاشة، والمساهمة في توفير الخدمات الصحية والتطبيب، وتشجيع التشغيل الذاتي والمبادرات المدرة للدخل، ودعم البنيات التحتية، والمساهمة في توفير السكن، فضلا عن مواكبة التظاهرات والمبادرات الوطنية والدولية التي تساهم في تعزيز جاذبية الجهة.
وهذه ليست مجرد تفاصيل إدارية متفرقة، بل تعكس فلسفة في التدبير تقوم على أن التنمية لا ينبغي أن تظل محصورة في الأرقام الكبرى والاستثمارات الضخمة، وإنما يجب أن يكون لها وجه اجتماعي يصل إلى الأسرة، والشاب الباحث عن فرصة، والمواطن الذي ينتظر خدمة صحية، والمقاول الذي يحتاج إلى بيئة تساعده على المبادرة والإنتاج.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة استقطاب الخطاط ينجا باعتباره استثمارا في تجربة جهوية تتقاطع أولوياتها مع الرؤية الاجتماعية والاقتصادية التي تتبناها الحكومة الجديدة.
من الحكومة إلى الجهة.. تكامل السياسات العمومية بدل تشتتها
لعل أهم ما يمكن استنتاجه من هذه المعادلة هو أن نجاح أي مشروع حكومي لا يتوقف على جودة القرارات المتخذة مركزيا فقط، وإنما يتطلب وجود مؤسسات ترابية قادرة على تنزيلها وتكييفها مع الحاجيات الحقيقية للمجالات الجغرافية.
فالحكومة تستطيع أن تضع برامج للدعم الاجتماعي، وأن ترصد ميزانيات للصحة والتعليم والتشغيل، وأن تعلن عن استراتيجيات اقتصادية كبرى، لكن الأثر الحقيقي لهذه السياسات يظل رهينا بمدى قدرتها على الوصول إلى الجهات والأقاليم والجماعات.
وهنا تبرز أهمية التجربة التي راكمها مجلس جهة الداخلة وادي الذهب برئاسة الخطاط ينجا، باعتبارها تجربة اشتغلت على تقاطع الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والبنيوية، من خلال برامج تستهدف الإنسان والمجال في الوقت نفسه.
إن ما تحتاجه جهة الداخلة وادي الذهب ليس فقط استقطاب الاستثمارات الكبرى، رغم أهميتها الاستراتيجية، وإنما أيضا ضمان أن تتحول هذه الاستثمارات إلى فرص شغل، ومبادرات اقتصادية، وتحسين للخدمات، ورفع لمستوى العيش، وتقليص للفوارق المجالية.
وهذه هي النقطة التي يمكن أن تلتقي فيها الرؤية الحكومية مع البرامج الجهوية: حكومة تضع التوجهات والموارد والأولويات، وجهة تشتغل على تنزيل المشاريع وتحديد الحاجيات ومواكبة المستفيدين.
حكومة المنصوري وفرصة أن تكون من أنجح الحكومات
إن الحكم على نجاح حكومة المنصوري اليوم سيكون سابقا لأوانه، لكن المؤشرات المتعلقة بالأولويات المعلنة تكشف عن توجه يمكن أن يمنحها فرصة حقيقية للتميز.
فهي تواجه تحديا لا يتعلق فقط بتحقيق نسب النمو، بل بمدى قدرتها على إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، من خلال جعل السياسات العمومية أكثر التصاقا بالحياة اليومية.
إذا تمكنت من تحسين الدخل الصافي للأجراء، وتخفيف الأعباء عن الأسر، وتوسيع قاعدة المستفيدين من الحماية الاجتماعية، وتحسين الخدمات الصحية، وإصلاح المدرسة العمومية، وتوفير فرص الشغل للشباب، والإنصات إلى مطالب المتقاعدين والفئات الهشة، فإنها ستكون قد وضعت يدها على أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين الدولة والمجتمع.
لكن هناك شرطا أساسيا: ألا تتحول هذه الالتزامات إلى مجرد أرقام جذابة في البرامج الانتخابية، وألا يكون النجاح محصورا في الإعلان عن الميزانيات، بل في قياس ما تحقق منها فعليا، ومحاسبة المسؤولين عن تعثرها، وضمان عدالة توزيع ثمار التنمية.
فالمواطن لا يحتاج إلى خطاب يشرح له أن الاقتصاد يتحسن بقدر ما يحتاج إلى أن يشعر بأن حياته أصبحت أفضل.
الخلاصة.. لقجع يمسك بخيط التمويل، وينجا بخيط التنمية الترابية
ربما تكمن الرسالة السياسية العميقة في استقطاب فوزي لقجع والخطاط ينجا في محاولة الجمع بين مستويين متكاملين: هندسة المشروع الاقتصادي والاجتماعي من المركز، والاشتغال على تنزيله في المجال الترابي.
لقجع يمثل خبرة الميزانية والقدرة على تدبير الموارد، وينجا يمثل تجربة التدبير الجهوي والاشتغال على البرامج الاجتماعية والتنموية، فيما تقود فاطمة الزهراء المنصوري المشروع السياسي والحكومي الذي يفترض أن يجمع هذه المكونات في رؤية واحدة.
وبالنسبة إلى جهة الداخلة وادي الذهب، فإن هذا التقاطع يطرح إمكانات مهمة، ليس فقط من حيث الحضور السياسي داخل الحزب الذي يقود الحكومة، وإنما من حيث إمكانية تعزيز التنسيق بين السياسات الوطنية والأولويات الجهوية، بما يسرع وتيرة المشاريع ويمنح التنمية بعدا أكثر إنصافا وفعالية.
إن السؤال الحقيقي لم يعد فقط لماذا استقطب البام لقجع وينجا، بل لماذا اختار أن يجمع بين خبرة تدبير المال العام وتجربة تدبير المجال؟
والجواب المحتمل أن الحزب يريد أن يقدم نفسه باعتباره حزبا قادرا على الجمع بين من يخطط ويمول، ومن ينفذ وينزل، ومن يحدد الأولويات ويقود المشروع السياسي.
وفي النهاية، ستظل القيمة الحقيقية لهذه المعادلة رهينة بقدرتها على الانتقال من المكاتب السياسية إلى حياة المواطنين، ومن الأرقام المعلنة إلى نتائج ملموسة.
فالدولة الاجتماعية لا تُقاس بما تخصصه من ميزانيات فقط، وإنما بما يصل منها إلى المواطن. والتنمية لا تُقاس بما يُنجز من مشاريع فقط، وإنما بما تتركه هذه المشاريع من أثر في حياة الناس.













