في مشهد يعكس جانباً من التنوع الثقافي واللغوي الذي يميز المغرب، حضرت الحسانية بقوة تحت قبة مجلس النواب، خلال الجلسة المخصصة للتصويت من أجل اختيار رئيس جديد للمؤسسة التشريعية، حيث تولى عبد العزيز أبا، النائب البرلماني عن إقليم بوجدور، تسيير أشغال الجلسة بلغة امتزجت فيها الحسانية بالدارجة المغربية والعربية، مع حضور لافت للهجته الحسانية كلما خاطب النواب ووجّه إليهم التعليمات.
ولم يكن هذا المشهد مجرد تفصيل عابر في مجريات جلسة برلمانية ذات أهمية سياسية، بل أضفى على اللحظة طابعاً محلياً مميزاً، أعاد إلى الواجهة حضور التعبيرات اللغوية والثقافية للأقاليم الجنوبية داخل المؤسسات الدستورية الوطنية، في فضاء تتقاطع فيه مختلف المرجعيات الجغرافية والثقافية والسياسية للمغرب.
وبينما كانت الحسانية تمنح الخطاب نبرة خاصة، كانت الأنظار تتجه إلى جوهر الجلسة وما تحمله من رهانات سياسية، في ظل تنافس على رئاسة مجلس النواب بين إدريس الأزمي الإدريسي، عن حزب العدالة والتنمية، وأحمد التويزي، عن حزب الأصالة والمعاصرة، في مواجهة تعكس جانباً من التوازنات التي تطبع المرحلة السياسية الراهنة.
ويكتسي هذا الاستحقاق أهمية تتجاوز مجرد اختيار اسم لتولي رئاسة المؤسسة التشريعية، بالنظر إلى مكانة المجلس في البناء الدستوري المغربي، وما يضطلع به من أدوار في التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتأطير النقاش العمومي. فالرئاسة ليست موقعاً بروتوكولياً فحسب، بل مسؤولية مؤسساتية تقتضي القدرة على تدبير الاختلاف، وضمان السير المنتظم للأشغال، وصون التوازن بين مكونات المؤسسة.
ومن هذه الزاوية، يكتسب التنافس بين الأزمي والتويزي أبعاداً سياسية واضحة؛ إذ يأتي كل مرشح بخلفيته الحزبية وتجربته البرلمانية، في سياق تتداخل فيه الحسابات التنظيمية مع رهانات الأغلبية والمعارضة، وتصبح فيه رئاسة المجلس اختباراً لمدى قدرة الفرقاء على تحويل التنافس السياسي إلى ممارسة مؤسساتية مسؤولة.
وبين الحسانية التي صدحت في توجيهات مسير الجلسة، والعربية والدارجة اللتين حضرتا في ثنايا الخطاب، والتنافس السياسي الذي انشغلت به القاعة، اجتمعت في المشهد ثلاث دلالات: تنوع الهوية المغربية، واستمرارية المؤسسات الدستورية، واحتدام التنافس على أحد أبرز المواقع داخل البرلمان.
وهكذا، لم تكن جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب مجرد محطة إجرائية في أجندة المؤسسة التشريعية، بل لحظة التقت فيها رمزية اللغة مع رهانات السياسة، في انتظار ما ستسفر عنه صناديق التصويت من حسم للاسم الذي سيتولى قيادة إحدى أهم واجهات العمل البرلماني بالمغرب.













