ميناء الداخلة الأطلسي يعيد رسم المنافسة البحرية.. جزر الكناري تتجه لخفض الرسوم وتحديث خدماتها

هيئة التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
ميناء الداخلة الأطلسي يعيد رسم المنافسة البحرية.. جزر الكناري تتجه لخفض الرسوم وتحديث خدماتها

بدأ مشروع ميناء الداخلة الأطلسي يفرض حضوره في حسابات المنافسة البحرية بمنطقة المحيط الأطلسي، بعدما أعاد فتح النقاش داخل جزر الكناري بشأن مستقبل موانئ الأرخبيل الإسباني وقدرتها على الحفاظ على جاذبيتها أمام التحولات المتسارعة التي تشهدها البنية التحتية المينائية بالمغرب.

وفي هذا السياق، تتجه السلطات المحلية بجزر الكناري إلى دراسة تدابير تروم خفض الرسوم المينائية، وتبسيط الإجراءات الجمركية والإدارية، وتسريع معالجة البضائع، بهدف تعزيز تنافسية موانئها واستقطاب المزيد من شركات النقل البحري، في ظل تنامي الرهانات المرتبطة بمشروع ميناء الداخلة الأطلسي.

ووفق المعطيات الواردة في تقرير إسباني حول استراتيجية التنقل المستدام والذكي بجزر الكناري، فإن التطور المرتقب للميناء المغربي يفرض تحديات جديدة على الأرخبيل، خصوصا في ما يتعلق بحركة السفن وإعادة شحن الحاويات والخدمات اللوجستية المرتبطة بالتجارة الدولية.

ويكتسي هذا المشروع أهمية استراتيجية بالنظر إلى موقعه على الواجهة الأطلسية للمغرب، وقربه الجغرافي من جزر الكناري، فضلا عن طموحه إلى التحول إلى منصة مينائية ولوجستية قادرة على تعزيز الربط بين الأسواق الإفريقية والأوروبية والدولية. وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أن أشغال الإنجاز بلغت نحو 65 في المائة، مع توقع دخول الميناء حيز التشغيل في نهاية العقد الجاري.

ويراهن المغرب على أن تبلغ الطاقة الاستيعابية للميناء نحو 35 مليون طن من البضائع سنويا، إلى جانب مناولة مليون حاوية، وهي مؤشرات تعكس حجم الطموح المرتبط بهذا الورش، الذي ينتظر أن يمنح الأقاليم الجنوبية موقعا إضافيا ضمن شبكات النقل البحري والتبادل التجاري عبر المحيط الأطلسي.

وفي المقابل، تحذر المقترحات الإسبانية من احتمال فقدان موانئ جزر الكناري جزءا من توقفات السفن ومداخيل الخدمات المينائية، إذا تمكنت الموانئ المغربية من تقديم عروض أكثر تنافسية من حيث التكلفة وسرعة إنجاز العمليات ومرونة الخدمات. ولا يتعلق الأمر، بحسب هذه القراءة، بمجرد منافسة على استقبال السفن، بل بصراع متزايد لاستقطاب أنشطة إعادة الشحن وتوزيع الحاويات، التي تتأثر بشكل مباشر بالفوارق في الأسعار والمدة الزمنية التي تقضيها السفن داخل الموانئ.

ولمواجهة هذه التحديات، تتجه السلطات الكنارية إلى دراسة مراجعة تكاليف الرسو والخدمات المينائية، وتقديم تسهيلات مالية لشركات الشحن، خصوصا العاملة في مجال إعادة شحن الحاويات نحو وجهات أخرى. كما تشمل التدابير المقترحة تبسيط المساطر الجمركية والتفتيشية، وإحداث شباك موحد، وتوسيع استخدام الأنظمة الآلية، بما يساعد على تقليص فترات الانتظار وتحسين مردودية العمليات.

وتتضمن الخطط كذلك تطوير البنيات التحتية وتعميق الأحواض المينائية وتحديث الأرصفة، بما يسمح باستقبال سفن الحاويات الكبيرة ومواكبة التحولات التي يعرفها النقل البحري العالمي. ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا بأن التنافسية المينائية لم تعد مرتبطة بالموقع الجغرافي وحده، وإنما أصبحت رهينة بتكامل البنية التحتية مع جودة الخدمات وكلفتها وسرعة تنفيذ الإجراءات.

وتكشف الأرقام الواردة في التقرير عن تفاوت في أداء موانئ الأرخبيل؛ إذ سجل ميناء لا لوث، المعروف أيضا بميناء لاس بالماس، نموا بنسبة 142 في المائة منذ سنة 2000، مستحوذا على نحو 60 في المائة من إجمالي حركة الموانئ، في حين تراجع نشاط ميناء سانتا كروث دي تينيريفي بنسبة 19 في المائة خلال الفترة نفسها، في سياق تراجع وزنه في سوق إعادة شحن الحاويات.

وتبرز هذه المعطيات أهمية التكيف المستمر مع متطلبات شركات الملاحة، التي تبحث عن موانئ تجمع بين الكلفة المناسبة والنجاعة التشغيلية وسرعة تداول البضائع. فكل تأخير في الرسو أو استكمال الإجراءات ينعكس على تكاليف التشغيل، وقد يؤثر في قرارات الشركات بشأن اختيار المسارات والمراكز اللوجستية التي تعتمدها.

ولا تقتصر رهانات جزر الكناري على خفض الرسوم وتحديث الإجراءات، بل تمتد إلى تطوير خدمات تزويد السفن بالوقود، من خلال تهيئة المنشآت لاستقبال أنواع بديلة، من بينها الغاز الطبيعي المسال والميثانول والأمونيا الخضراء، إلى جانب توسيع مناطق الرسو. وهي خطوات تندرج ضمن توجه أوسع يروم مواكبة التحول الطاقي في قطاع النقل البحري وتعزيز جاذبية الموانئ أمام متطلبات الملاحة الأقل تلويثا.

ويحضر ميناء طنجة المتوسط بدوره في هذه المعادلة باعتباره تجربة مغربية بارزة في تطوير الخدمات المينائية واستقطاب حركة الحاويات والتجارة الدولية. ويعزز هذا النموذج النقاش بشأن التحولات التي يمكن أن تحدثها الاستثمارات المينائية المغربية في توزيع الأنشطة البحرية على المستوى الإقليمي.

وبينما تتجه جزر الكناري إلى مراجعة أدواتها التنافسية، يواصل المغرب الاستثمار في مشاريع مينائية كبرى تستهدف توسيع حضوره في سلاسل الإمداد الدولية، وتنويع منافذه التجارية، وتعزيز ارتباطه بالأسواق الإفريقية والعالمية. وتضع هذه التحولات الموانئ أمام تحدي تطوير خدماتها باستمرار، في سوق تتزايد فيها أهمية السرعة والكلفة والقدرة على الاستجابة لمتطلبات شركات النقل البحري.

وهكذا، يتجاوز ميناء الداخلة الأطلسي حدود مشروع للبنية التحتية قيد الإنجاز، ليصبح جزءا من النقاش الاستراتيجي بشأن مستقبل المنافسة البحرية في المنطقة. وبين الطموح المغربي لتوسيع الحضور الأطلسي والتحركات الإسبانية للحفاظ على جاذبية موانئ الكناري، تتجه المنافسة نحو مرحلة جديدة لن تحسمها الإمكانات الاستيعابية وحدها، بل أيضا جودة الخدمات ونجاعة التدبير والقدرة على استقطاب حركة التجارة الدولية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة