لم يعد الرهان في مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة مقتصرا على توزيع الحقائب بين الأحزاب، بل بات يمتد إلى طبيعة الهندسة الحكومية وحدود النفوذ داخلها، في ظل توجه نحو تقليص عدد الوزراء، مقابل احتدام التنافس حول القطاعات الاستراتيجية التي تمنح شاغليها سلطة التأثير في القرار الاقتصادي والاجتماعي للدولة.
وفي هذا السياق، كشف إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عن توجه المشاورات التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المكلفة عن حزب الأصالة والمعاصرة، نحو تشكيل حكومة أقل عددا من سابقاتها، في خطوة قد تعيد رسم خريطة التوازنات بين مكونات الأغلبية، وتجعل معركة الحقائب أكثر تعقيدا من مجرد التفاوض حول عدد المقاعد الوزارية.
وأوضح لشكر، خلال مشاركته في برنامج «نقطة إلى السطر» على القناة الأولى، أن النقاشات الجارية تتجه نحو مراجعة حجم التشكيلة الحكومية، نافيا أن يكون خيار إحداث مناصب لكتاب الدولة قد طُرح ضمن المداولات الجارية، على الأقل إلى حدود التصريحات التي أدلى بها.
ويحمل هذا التوجه، إذا ما تأكد في الصيغة النهائية للحكومة، دلالات سياسية تتجاوز مسألة تقليص النفقات أو تحسين الفعالية الإدارية؛ فكلما تقلص عدد الحقائب، ارتفعت القيمة السياسية لكل حقيبة، وأصبح التنافس حولها أكثر حدة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالقطاعات التي تتحكم في توجيه الاستثمارات، وتدبير الموارد المالية، وصياغة السياسات العمومية الكبرى.
وفي ما يتعلق بمعايير الاستوزار، أفاد لشكر بأن رئيسة الحكومة المكلفة شددت على ضرورة اقتراح شخصيات تتوفر على الكفاءة والنزاهة والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، في إشارة إلى أن الاعتبارات المرتبطة بالأسماء والقدرات الفردية ستكون حاضرة في تحديد ملامح الفريق الحكومي المقبل.
كما أكد أن الاتحاد الاشتراكي قدم ترشيحات نسائية، دون الكشف عن الأسماء المقترحة أو القطاعات التي يطمح الحزب إلى تدبيرها، موضحا أن الحسم النهائي في الاختيارات يبقى من صلاحيات رئيسة الحكومة المكلفة، بناء على الترشيحات المقدمة إليها.
غير أن الاختبار الحقيقي لهذه المعايير لن يتوقف عند صياغة شروط عامة للاستوزار، بل سيمتد إلى مدى قدرة المشاورات على التوفيق بين الكفاءة المهنية ومتطلبات التوازن السياسي. فاختيار الوزراء لا يجري في فراغ، وإنما داخل مفاوضات تحاول فيها الأحزاب ضمان حضور مؤثر في الحكومة، مع الحفاظ على هامش القرار المتاح لرئيستها المكلفة.
ومن أبرز النقاط التي كشف عنها لشكر، مطالبة الاتحاد الاشتراكي بعدم تركيز الحقائب الوزارية الكبرى في يد الحزب المتصدر للانتخابات، معتبرا أن التجاوب مع هذا المطلب واجه صعوبات خلال المشاورات.
واستحضر في هذا الإطار قطاعات المالية والفلاحة والماء، وهي مجالات تتجاوز أهميتها حدود التدبير القطاعي، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالاستثمار العمومي، والأمن المائي والغذائي، والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى.
وتكشف هذه المطالب عن جوهر التفاوض الجاري؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بعدد الوزراء الذين سيحصل عليهم كل حزب، بل بطبيعة القطاعات التي ستوضع تحت إشرافه، ومدى قدرته على التأثير في القرارات التي تحدد أولويات الإنفاق العمومي وتوجه السياسات الحكومية.
ومن هذه الزاوية، يبدو أن تقليص عدد الوزراء قد يرفع منسوب التنافس بدل أن يخففه، لأن الحقائب المتاحة ستكون أقل، فيما ستظل تطلعات الأحزاب إلى المشاركة في صناعة القرار قائمة. كما أن توزيع القطاعات الثقيلة سيشكل مؤشرا أساسيا على طبيعة التوازن الذي ستقوم عليه الأغلبية المقبلة، وحدود التنازلات المتبادلة بين مكوناتها.
وفي مقابل هذا التنافس، دعا لشكر إلى تجاوز منطق المحاصصة الحزبية وتوزيع المناصب، مؤكدا ضرورة بناء تعاقد سياسي وبرنامجي متكامل بين مكونات الأغلبية، يقوم على اختيار الكفاءات القادرة على تنفيذ الالتزامات الحكومية.
وتضع هذه الدعوة المشاورات أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن تشكيل أغلبية منسجمة سياسيا، من دون أن تتحول المشاركة الحكومية إلى سباق على القطاعات الأكثر نفوذا؟ وكيف يمكن تقليص عدد الوزراء مع ضمان تمثيلية الأحزاب المشاركة، والحفاظ في الوقت ذاته على قدرة الحكومة على تنفيذ برنامجها؟
إن نجاح الصيغة الحكومية المرتقبة لن يقاس بعدد الوزراء وحده، ولا بالأسماء التي ستتولى الحقائب، بل بمدى وضوح توزيع المسؤوليات، وانسجام الاختصاصات، وقدرة رئيسة الحكومة المكلفة على تحويل التوافقات الحزبية إلى فريق حكومي يمتلك رؤية مشتركة وآليات واضحة للمحاسبة.
وفي المحصلة، تبدو مشاورات فاطمة الزهراء المنصوري أمام اختبار يتجاوز تشكيل حكومة مصغرة إلى إعادة ترتيب العلاقة بين القيادة الحكومية والتوازنات الحزبية. فالحكومة الأقل عددا قد تكون أكثر فعالية إذا استندت إلى الكفاءة والانسجام، لكنها قد تصبح أيضا ساحة تنافس أشد إذا تحولت الحقائب المحدودة إلى أدوات لقياس النفوذ السياسي داخل الأغلبية.
وبين خطاب الإصلاح ومتطلبات التفاوض، ستكشف التشكيلة النهائية ما إذا كانت المشاورات تتجه فعلا نحو حكومة تقوم على منطق المسؤولية والبرنامج، أم أن معركة توزيع القطاعات الكبرى ستظل المحدد الأبرز لشكل التوافق الحكومي المقبل.













