في موقف جديد يعكس تنامي النقاش الدولي بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية، دعا جوليان هارستون، الدبلوماسي البريطاني السابق الذي تولى رئاسة بعثة المينورسو بين فبراير 2007 وأكتوبر 2009، إلى إنهاء مهمة البعثة بشكل نهائي، معتبرا أن استمرارها لم يعد يستند إلى مبررات سياسية أو عملية تتيح تحقيق الأهداف التي أُحدثت من أجلها.
وبحسب ما أورده موقع «كاناريا إن بلينو» الإسباني، فإن هارستون يرى أن المينورسو أصبحت إطارا متجاوزا بفعل التحولات السياسية والميدانية التي عرفها النزاع، خاصة أن المهمة الأساسية التي تأسست من أجلها، والمتمثلة في تهيئة الظروف لتنظيم استفتاء تقرير المصير، ظلت متعثرة على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، دون أن تتمكن الأمم المتحدة من تجاوز الإشكالات الجوهرية المرتبطة بتنفيذ هذا التصور.
وفي هذا السياق، أعاد الدبلوماسي البريطاني السابق تسليط الضوء على معضلة تحديد الهيئة الناخبة، باعتبارها أحد أبرز العوائق التي حالت منذ البداية دون تنظيم الاستفتاء، معتبرا أن التصور الذي اعتمد سنة 1991 لم يعد منسجما مع المعطيات الجديدة ولا مع التحولات التي شهدها مسار القضية.
ولم تقتصر ملاحظات هارستون على مستقبل البعثة الأممية، بل امتدت إلى الدور الجزائري في مسار التسوية، حيث وجه انتقادات مباشرة للقيادة الجزائرية، محملا إياها مسؤولية عرقلة البحث عن مخرج سياسي عملي، ومتهما إياها بتوظيف معاناة سكان مخيمات تندوف والإبقاء على أوضاعهم الإنسانية الصعبة.
وعلى مستوى الحل السياسي، اعتبر المسؤول الأممي السابق أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باتت تمثل خيارا واقعيا يحظى بدعم دولي متزايد، داعيا الأمم المتحدة إلى مراجعة مقاربتها بما ينسجم مع المستجدات السياسية والدبلوماسية، عوض الاستمرار في التمسك بآليات لم تعد قادرة على إنتاج تسوية قابلة للتنفيذ.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها، إذ تأتي في أعقاب التطورات التي شهدها مجلس الأمن الدولي يوم 30 أكتوبر، بعدما أخفقت الدول الأعضاء في التوصل إلى توافق بشأن مستقبل المينورسو، على خلفية تباين المواقف حول المشروع الأمريكي الذي اقترح تحويل البعثة إلى مكتب سياسي يتولى تسهيل تنفيذ خطة الحكم الذاتي.
وكان المشروع الأمريكي قد حظي بتأييد 11 عضوا داخل مجلس الأمن، قبل أن تسقطه روسيا باستخدام حق النقض، فيما اختار ثلاثة أعضاء الامتناع عن التصويت، وهو ما عكس استمرار الانقسام الدولي بشأن طبيعة المرحلة المقبلة من تدبير الملف.
وفي المقابل، لم يتمكن المشروع الروسي البديل، الذي دعا إلى تمديد ولاية المينورسو لسنة إضافية وفق الصيغة المعمول بها سابقا، من تأمين التأييد الكافي، بعدما حصل على ثلاثة أصوات فقط، مقابل معارضة عضو واحد وامتناع 11 عضوا عن التصويت.
وبذلك، انتهت المواجهة داخل مجلس الأمن دون التوصل إلى صيغة توافقية جديدة بشأن مستقبل البعثة الأممية، في تطور يضع الإطار المؤسساتي الذي ظلت المينورسو تشتغل ضمنه أمام مرحلة من الغموض السياسي والقانوني، ويعيد النقاش حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تضطلع به الأمم المتحدة خلال المرحلة المقبلة.
وفي ظل هذه التحولات، تعيد تصريحات هارستون طرح إشكالية جوهرية تتجاوز مسألة تجديد ولاية بعثة أممية من عدمه، وتتعلق بمدى قدرة المقاربة التقليدية على مواكبة واقع سياسي ودبلوماسي متغير، خصوصا مع تصاعد حضور مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية في النقاشات الدولية باعتبارها أحد الخيارات المطروحة لتسوية النزاع.
وهكذا، لم يعد النقاش مقتصرا على مستقبل المينورسو باعتبارها بعثة أممية، بل بات يمتد إلى مراجعة الأسس التي حكمت تدبير الملف طيلة العقود الماضية، ومدى استعداد المنتظم الدولي للانتقال إلى مقاربة سياسية أكثر واقعية وملاءمة للتحولات الراهنة.













