الساحل بريس / الصغير محمد
ليست السياسة، كما يتصورها البعض، مجرد صراع على المواقع والمناصب أو معركة دائمة بين المنتصر والمهزوم. فالسياسة في جوهرها اختبار مستمر لقدرة الانسان على إدارة الاختلاف دون أن يفقد احترامه للآخر، وعلى التمسك بقناعاته دون أن يتحول إلى أسير للعداوات. لذلك فإن بعض الصور العابرة تختزل أحيانا ما تعجز عنه الخطب والتصريحات والبيانات الحزبية.
في افتتاح أشغال الدورة الثامنة للمؤتمر العالمي للمدن والحكومات المحلية المتحدة بمدينة طنجة، التقطت عدسات المصورين مشهدا جمع بين رئيس جهة الداخلة وادي الذهب الخطاط ينجا ورئيس جهة العيون الساقية الحمراء حمدي ولد الرشيد. بدا الرجلان في حديث ودي تتخلله الابتسامات، غير أن الصورة بالنسبة لمن يعرف تفاصيل المشهد السياسي بالأقاليم الجنوبية لم تكن مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل نافذة لفهم معنى أعمق: كيف يستطيع السياسي أن يحافظ على جسور الاحترام حتى عندما تتباعد الخيارات وتتغير المسارات وتتعارض الحسابات.
فخلف تلك الابتسامة تختبئ أسئلة كثيرة حول التحولات السياسية الجارية، وحول مستقبل العلاقة بين الخطاط ينجا وحزب الاستقلال، وحول قدرة الفاعلين السياسيين على التمييز بين الخلاف المشروع والخصومة المذمومة. وهي أسئلة تجعل من الصورة أكثر من مشهد عابر، وتجعل من قراءة تفاصيلها مدخلا لفهم مدرسة سياسية تقوم على التوازن بين الثبات على الموقف والانفتاح على الآخر.
الصورة التي جمعت الرجلين جاءت في لحظة سياسية خاصة، يتزايد فيها الحديث عن قرب مغادرة الخطاط ينجا لحزب الاستقلال، الحزب الذي ظل لعقود رقما أساسيا في معادلة التوازنات السياسية بالأقاليم الجنوبية، والمرتبط بشكل وثيق بعائلة ولد الرشيد.
ولذلك لم يكن مستغربا أن تتجاوز قراءة الصورة حدود البروتوكول لتدخل إلى منطقة التأويل السياسي.
غير أن ما يستحق التوقف عنده ليس احتمال الرحيل أو البقاء، بل الكيفية التي يدير بها الخطاط ينجا هذه المرحلة. فالرجل لا يبدو أسير ردود الفعل، ولا منخرطا في سياسة حرق الجسور، بل يتصرف بمنطق سياسي ناضج يدرك أن الاختلاف في المواقع لا يبرر القطيعة، وأن التنافس الحزبي لا يفرض العداء الشخصي.
لقد نجح الخطاط ينجا خلال مساره في ترسيخ صورة السياسي الذي يعرف كيف يحافظ على استقلالية قراره دون أن يسقط في منطق الصدام المجاني، ويعرف كيف يدافع عن اختياراته دون أن يتحول إلى طرف في معارك شخصية. وهي معادلة صعبة لا يتقنها إلا من استوعب أن السياسة ليست مجرد ولاءات ظرفية، بل فن إدارة المصالح العامة والتوازنات المجتمعية.
ومن هنا تكتسب الصورة دلالتها الحقيقية. فهي لا تعكس فقط علاقة بين شخصين أو قياديين سياسيين، بل تعكس فهما معينا للسياسة، فهما يعتبر أن الخصم السياسي ليس عدوا، وأن الاختلاف لا يلغي الاحترام، وأن قوة السياسي لا تقاس بقدرته على صناعة الخصومات، بل بقدرته على إدارة الخلافات دون خسارة القيم.
الخطاط ينجا يبدو اليوم وكأنه بلغ مرحلة سياسية مختلفة؛ مرحلة لم يعد فيها السؤال هو أين يقف تنظيميا، بل كيف يختار موقعه ولماذا يختاره ومتى يتخذ قراره. لذلك فإن بقاءه داخل حزب الاستقلال سيكون قرارا سياسيا واعيا، ورحيله عنه إن وقع سيكون أيضا قرارا سياسيا واعيا. فالسياسي الناضج لا يبقى لأنه مضطر، ولا يغادر لأنه غاضب، بل يتحرك وفق رؤية يعتقد أنها الأقرب إلى خدمة مشروعه وقناعاته.
لقد تعلم الخطاط ينجا من التجربة ما يجعل القرار عنده فعلا سياديا لا رد فعل عاطفيا. وإذا كان كثيرون يتساءلون اليوم عن وجهته المقبلة، فإن المؤكد أن الرجل بات يعرف كيف يتحرك، ولماذا يتحرك، ومتى يتخذ خطوته التالية. وهي خصال لا يكتسبها السياسي من المناصب، بل من تراكم التجارب ومن القدرة على قراءة التحولات دون الوقوع أسيرا لها.
وفي زمن أصبحت فيه السياسة عند البعض مرادفا للتخوين والإقصاء وكسر الجسور، تبدو هذه الصورة تذكيرا هادئا بأن الرجال الكبار لا يقاسون بحجم خصوماتهم، بل بقدرتهم على الارتقاء فوقها، وأن السياسة في أرقى معانيها ليست فن الانتصار على الآخرين، بل فن الانتصار على الأهواء والانفعالات والمصالح الضيقة.













