الساحل بريس/ الصغير محمد
يخلد المغرب، اليوم الجمعة 14 غشت، الذكرى الـ47 لاسترجاع إقليم وادي الذهب، في محطة وطنية تستحضر واحدة من أبرز صفحات مسيرة استكمال الاستقلال والوحدة الترابية، وتستعيد من خلالها الأجيال معاني الوفاء للثوابت الوطنية والتعبئة المتواصلة دفاعا عن الوحدة الترابية.
وتشكل هذه الذكرى مناسبة لاستحضار الحدث التاريخي الذي شهدته العاصمة الرباط في 14 غشت 1979، عندما حلت وفود من علماء ووجهاء وأعيان وشيوخ قبائل إقليم وادي الذهب لتجديد بيعتها للملك الراحل الحسن الثاني، والتعبير عن تشبثها بالعرش العلوي وبالانتماء الوطني، في لحظة مفصلية من تاريخ استكمال الوحدة الترابية للمملكة.
وقد قدمت وفود مدينة الداخلة وإقليم وادي الذهب بين يدي الملك الراحل نص البيعة، معلنة ارتباطها بالمغرب ووفاءها للعرش العلوي، في مشهد جسد، وفق الرواية الرسمية، رمزية محطة تاريخية بارزة في مسار الوحدة الترابية.
واكتسبت تلك المحطة دلالات إضافية من خلال قيام الملك الحسن الثاني بتوزيع السلاح على وفود القبائل، في إشارة رمزية إلى مواصلة الدفاع عن الأمن والاستقرار والوحدة الترابية، قبل أن يتجدد اللقاء بعد أشهر خلال زيارة رسمية قام بها إلى الإقليم بمناسبة احتفالات عيد العرش، بما عزز رمزية الارتباط بين الدولة وأبناء المنطقة.
ومنذ ذلك التاريخ، دخلت الأقاليم الجنوبية مرحلة جديدة عنوانها تثبيت الاندماج المؤسساتي وتعزيز البنيات الاقتصادية والاجتماعية، بالتوازي مع مواصلة المغرب دفاعه عن وحدته الترابية على المستويين الوطني والدبلوماسي.
وتحضر الذكرى هذه السنة في سياق إقليمي ودولي يعتبره المغرب محطة متقدمة في مسار قضية الصحراء، خصوصا بعد القرار الأممي رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، وما اعتبرته الرباط تحولا دبلوماسيا مهما من خلال اعتماد مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسا للمفاوضات حول مستقبل الأقاليم الصحراوية.
وفي هذا السياق، تستحضر المناسبة مضامين الخطاب الملكي ليوم 31 أكتوبر 2025، الذي وصف المرحلة بأنها “فاصلة” في تاريخ المغرب الحديث، مؤكدا التوجه نحو ترسيخ مغرب موحد من طنجة إلى الكويرة.
ولا تقتصر دلالات ذكرى استرجاع وادي الذهب على استحضار الماضي، بل تمتد إلى قراءة التحولات التي عرفتها الأقاليم الجنوبية خلال العقود الماضية، وما رافقها من استثمارات ومشاريع تنموية وبنيات تحتية، في إطار سياسة تهدف إلى إدماج هذه الأقاليم في مسار التنمية الوطنية الشاملة والمستدامة.
كما تكتسي المناسبة أهمية خاصة بالنسبة إلى أسرة المقاومة وجيش التحرير، باعتبارها محطة لاستحضار تضحيات المقاومين وأعضاء جيش التحرير الذين ساهموا في معركة الاستقلال والدفاع عن الوحدة الترابية، واستلهام قيم الوطنية والمواطنة من مسار الكفاح الوطني.
ويأتي تخليد الذكرى الـ47 في وقت تواصل فيه المملكة، بقيادة الملك محمد السادس، التركيز على التنمية والاستقرار وتعزيز مكانة الأقاليم الجنوبية، بالتوازي مع استمرار التعبئة الوطنية حول قضية الوحدة الترابية.
وبالنسبة إلى أبناء وادي الذهب، تظل ذكرى 14 غشت موعدا سنويا لاستعادة ذاكرة محطة مفصلية في تاريخ المنطقة، واستحضار مسار طويل انتقل فيه الإقليم من مرحلة استكمال الوحدة الترابية إلى مرحلة جديدة عنوانها التنمية والاستثمار وتعزيز الاندماج في الدينامية الوطنية.
وهكذا، لا تبدو ذكرى استرجاع وادي الذهب مجرد استعادة لحدث من الماضي، بل مناسبة لربط الذاكرة الوطنية بأسئلة الحاضر ورهانات المستقبل، واستحضار مسار سبعة وأربعين عاما من التحولات التي جعلت من المنطقة جزءا فاعلا في المشروع التنموي للمملكة، ومن الوحدة الترابية قضية حاضرة في صلب السياسة الوطنية والدبلوماسية المغربية.
وتبقى الرسالة الأبرز التي تحملها هذه الذكرى هي أن استحضار التاريخ لا يكتمل إلا بتحويل دروسه إلى رصيد للمستقبل، عبر ترسيخ قيم المواطنة والاستقرار والتنمية، ومواصلة بناء الأقاليم الجنوبية بما يستجيب لتطلعات سكانها ويعزز اندماجها في مغرب المؤسسات والتنمية.













