هرمز يعيد رسم الحسابات.. المغرب يعزز موقعه كشريك استراتيجي لواشنطن

هيئة التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
هرمز يعيد رسم الحسابات.. المغرب يعزز موقعه كشريك استراتيجي لواشنطن

أعادت الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز والتوترات المتصاعدة مع إيران ترتيب عدد من الأولويات الجيوسياسية والاقتصادية لدى القوى الكبرى، لتبرز أهمية المغرب بصورة متزايدة داخل الحسابات الأمريكية.
فالمملكة، التي راكمت خلال السنوات الماضية شراكات متقدمة مع واشنطن في مجالات الأمن والدفاع والتجارة والطاقة والمواد الاستراتيجية، تبدو اليوم أكثر حضوراً في معادلة تبحث فيها الولايات المتحدة عن شركاء مستقرين ومصادر بديلة للإمدادات.

وفي قراءة نشرتها صحيفة «20 مينوتوس» الإسبانية، فإن التطورات الأخيرة أظهرت أن العلاقة بين واشنطن والرباط لم تعد محكومة بمنطق التعاون الدبلوماسي التقليدي، بل باتت تقوم على شبكة واسعة من المصالح الاستراتيجية، تمتد من التعاون العسكري والاستخباراتي إلى الفوسفات والأسمدة والاستثمارات الكبرى.

وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة في ظل الاضطرابات التي أصابت حركة التجارة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وما ترتب عنها من ضغوط على سلاسل إمداد الطاقة والمواد الأولية والأسمدة. ومع ارتفاع المخاطر المرتبطة بالاعتماد على ممرات بحرية محدودة، تتزايد قيمة الدول القادرة على توفير بدائل مستقرة وموثوقة.

وهنا يبرز المغرب، ليس فقط باعتباره موقعاً جغرافياً استراتيجياً بين أوروبا وإفريقيا والأطلسي والمتوسط، وإنما أيضاً بفعل امتلاكه احتياطيات ضخمة من الفوسفات، ودوره المتنامي في سوق الأسمدة العالمية عبر مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط.

وتشير القراءة الإسبانية إلى أن مكانة المغرب في هذا المجال اكتسبت بعداً إضافياً مع استمرار المجموعة في الوصول إلى الأسواق المالية الدولية، من بينها إصدار سند هجين بقيمة 1.5 مليار دولار، في وقت تشهد فيه المنطقة اضطرابات جيوسياسية واقتصادية متزايدة.

لكن الورقة الأكثر صلابة في الشراكة المغربية الأمريكية تظل أمنية وعسكرية. فمنذ سنة 2004، يتمتع المغرب بصفة «حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي» لدى الولايات المتحدة، وهو وضع يعكس مستوى متقدماً من التعاون الدفاعي بين البلدين.

وتجسد مناورات «الأسد الإفريقي» هذا التقارب بصورة واضحة، بعدما تحولت إلى واحدة من أبرز التدريبات العسكرية الأمريكية في القارة الإفريقية. وخلال نسخة 2026، شارك أكثر من 5600 عسكري من 40 دولة، فيما احتضن المغرب الجزء الأكبر من التدريبات التي شملت القوات البرية والبحرية والجوية والقوات الخاصة، إلى جانب تدريبات بالذخيرة الحية.

بالنسبة إلى واشنطن، يوفر هذا التعاون شريكاً مستقراً في منطقة ذات أهمية استراتيجية، وقناة للتنسيق في مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات وتعزيز الجاهزية العسكرية. أما بالنسبة إلى الرباط، فتمنحها الشراكة الدفاعية مع الولايات المتحدة إمكانات أكبر لتطوير قدراتها العسكرية وتعزيز موقعها داخل التوازنات الأمنية الإقليمية.

غير أن التحول الأكثر حساسية يظهر في ملف الصحراء المغربية، حيث انتقلت العلاقات الأمريكية المغربية من الدعم السياسي إلى مؤشرات متزايدة على الانخراط الاقتصادي. فقد اعترفت واشنطن رسمياً بسيادة المغرب على الصحراء، قبل أن تظهر خطوات عملية مرتبطة بالاستثمار والتنمية في المنطقة.

ومن أبرز المؤشرات في هذا السياق موافقة وكالة التجارة والتنمية الأمريكية على تمويل بقيمة 5.7 ملايين دولار لدراسات جدوى مرتبطة بمشروع مستقبلي لإنتاج الأمونيا في الصحراء، باستثمار إجمالي مقدر بنحو 4.5 مليارات دولار.

وتحمل هذه الخطوة، وفق القراءة الإسبانية، دلالة تتجاوز قيمتها المالية، لأنها تعكس انتقال المقاربة الأمريكية من مجرد إعلان موقف سياسي بشأن الصحراء إلى تشجيع انخراط اقتصادي مباشر في المنطقة. وهو ما ينسجم مع الرؤية المغربية الرامية إلى تحويل الأقاليم الجنوبية إلى منصة للاستثمار والطاقة والبنيات التحتية والربط الاقتصادي بين إفريقيا وأوروبا والأطلسي.

وفي الجهة الأخرى من المعادلة، تجد إسبانيا نفسها أمام واقع إقليمي أكثر تعقيداً. فمدريد اختارت منذ 2022 دعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس «الأكثر جدية وواقعية ومصداقية» لتسوية النزاع، لكنها لم تصل إلى مستوى الاعتراف القانوني الرسمي بالسيادة المغربية، كما فعلت واشنطن.

وتتداخل في العلاقة المغربية الإسبانية ملفات أخرى شديدة الحساسية، من الهجرة والأمن الحدودي إلى سبتة ومليلية، فضلاً عن المصالح الاقتصادية المتشابكة بين البلدين. ومع ذلك، تفرض المصالح المشتركة على مدريد والرباط الحفاظ على قنوات التعاون، خصوصاً في ظل التحضير المشترك مع البرتغال لتنظيم كأس العالم 2030.

وفي الوقت نفسه، يواصل المغرب تسريع وتيرة الاستثمار في البنيات التحتية استعداداً لهذا الاستحقاق العالمي، من الملاعب والطرق إلى المطارات والمنشآت اللوجستية، في مقدمتها مشروع ملعب الحسن الثاني الذي يرتقب أن تصل طاقته الاستيعابية إلى نحو 115 ألف متفرج، وسط طموح مغربي لاحتضان نهائي البطولة.

وهكذا، لا تبدو واشنطن أمام معادلة تقوم على الاختيار بين مدريد والرباط، بقدر ما تعمل على تعظيم مصالحها مع كل طرف وفق حساباتها الخاصة. غير أن التطورات الأخيرة تكشف في المقابل أن الوزن الاستراتيجي للمغرب داخل الحسابات الأمريكية بات أكثر اتساعاً من ذي قبل.

فمن الموقع الجغرافي إلى الفوسفات والأسمدة، ومن التعاون العسكري إلى الاستثمارات في الأقاليم الجنوبية، تتراكم عناصر تجعل الرباط شريكاً يصعب على واشنطن تجاهله في شمال إفريقيا.

ولعل أزمة هرمز كشفت جانباً مهماً من هذه المعادلة: حين تضطرب الممرات الاستراتيجية وتتعرض سلاسل الإمداد العالمية للاهتزاز، ترتفع قيمة الدول التي تمتلك الموارد والموقع والقدرة على توفير بدائل مستقرة.

وفي هذه المعادلة الجديدة، يبدو أن المغرب لا يكتفي بمراقبة التحولات الجيوسياسية من موقع المتلقي، بل يعمل على تحويل موقعه وموارده وشبكة شراكاته إلى أوراق قوة. ولذلك فإن صعود الشراكة المغربية الأمريكية لا يرتبط فقط بظرف إقليمي عابر، وإنما يعكس، على ما يبدو، إعادة تموضع أوسع للمغرب داخل الحسابات الاستراتيجية للولايات المتحدة وشركائها الدوليين.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة