إيطاليا تناور وإسبانيا تحشد أوراقها.. «ديوليو» تتحول إلى معركة نفوذ اقتصادي

هيئة التحريرمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
إيطاليا تناور وإسبانيا تحشد أوراقها.. «ديوليو» تتحول إلى معركة نفوذ اقتصادي

دخلت واحدة من أبرز شركات زيت الزيتون في إسبانيا مرحلة حاسمة، بعدما تحولت صفقة الاستحواذ على «ديوليو» إلى مواجهة اقتصادية مفتوحة بين مستثمرين إسبان وإيطاليين، في سباق تتجاوز قيمته مئات ملايين اليوروهات، ولا يتعلق فقط بالمال، بل بمن سيمتلك واحدة من أبرز بوابات زيت الزيتون الإسباني نحو الأسواق العالمية.

وتقع «ديوليو»، المالكة لعلامات شهيرة مثل «كاربونيل» و«هوخيبلانكا» و«كويبي»، في قلب منافسة تصاعدت حدتها بعدما دخلت التعاونية الإسبانية العملاقة «ديكوب» على خط الاستحواذ بعرض يقارب 470 مليون يورو، في وقت تسعى فيه صناديق الاستثمار «سي في سي» و«ألكيمي» إلى التخارج من الشركة.

لكن العرض الإسباني سرعان ما واجه منافسة إيطالية أكثر سخاء. فقد رفعت مجموعة «كوريشيلي» قيمة عرضها إلى نحو 500 مليون يورو، وطالبت أيضا بحصرية المفاوضات، لتتحول الصفقة من عملية تجارية إلى اختبار حقيقي لموازين النفوذ داخل قطاع زيت الزيتون الأوروبي.

وتكتسب «ديوليو» أهمية خاصة بسبب حضورها الدولي، إذ تنتشر منتجاتها في أكثر من 70 دولة، بينما تمنحها محفظة العلامات التجارية موقعا وازنا في سوق زيت الزيتون العالمي. وبالتالي، فإن الاستحواذ عليها يعني امتلاك شبكة تجارية وعلامات راسخة، وليس مجرد السيطرة على شركة غذائية.

إسبانيا أمام معادلة صعبة

لم تعد المنافسة محصورة بين «ديكوب» و«كوريشيلي»، بعدما دخلت شركة «أسيسور» الإسبانية، المالكة لعلامات من بينها «كوسور» و«لا إسبانيولا»، إلى دائرة المهتمين بالصفقة.

وتراقب مدريد التطورات بحذر، في ظل اعتبار زيت الزيتون أحد القطاعات المرتبطة بالقوة الزراعية والتجارية لإسبانيا، التي تعد من أبرز المنتجين العالميين لهذه المادة.

وتتجاوز حساسية الملف الحسابات المالية، إذ تخشى أوساط إسبانية أن يؤدي انتقال «ديوليو» إلى ملكية أجنبية إلى فقدان جزء من السيطرة على القيمة المضافة المرتبطة بقطاع الزيت، خصوصا أن قوة الشركة لا تكمن في الإنتاج فقط، وإنما في العلامات التجارية والتوزيع والحضور الدولي.

وتتابع وزارة الزراعة الإسبانية، بقيادة لويس بلاناس، تطورات العملية، فيما تظل آليات حماية الاستثمارات الاستراتيجية حاضرة في النقاش، باعتبارها إحدى الأدوات التي يمكن لمدريد استخدامها في بعض عمليات الاستحواذ الأجنبية الحساسة.

وسبق للحكومة الإسبانية أن واجهت محاولة المجموعة المجرية «غانز مافاغ» الاستحواذ على شركة «تالجو» لصناعة القطارات، ما جعل تجربة التدخل الحكومي السابقة حاضرة في خلفية النقاش حول مستقبل «ديوليو».

مفارقة في قلب إشبيلية

وتزداد الصفقة إثارة بسبب تفاصيل العرض الإيطالي، الذي سيقدم من خلال شركة قابضة تابعة للمجموعة تحمل اسم «فارمرز إيليت غلوبال»، ويوجد مقرها في إشبيلية.

وبذلك تبدو المنافسة أكثر تعقيدا من مجرد مواجهة بين رأس مال إسباني وآخر إيطالي، إذ يتحرك الطرف الإيطالي الساعي إلى السيطرة على شركة إسبانية من داخل الأراضي الإسبانية نفسها.

في المقابل، تراهن «ديكوب» على أن جمعها مع «ديوليو» يمكن أن يخلق مجموعة ضخمة في صناعة زيت الزيتون، بإيرادات سنوية تتجاوز 2.2 مليار يورو، ما يمنحها قدرة أكبر على المنافسة في الأسواق الدولية.

صراع على ما وراء زجاجة الزيت

وتكشف الصفقة أن الرهان الحقيقي لا يدور فقط حول إنتاج زيت الزيتون، بل حول السيطرة على القيمة التي تأتي بعد الإنتاج.

فالعلامة التجارية، والتعبئة، وشبكات التوزيع، والأسواق الخارجية، كلها عناصر تمنح الشركات الكبرى قدرة على تحقيق قيمة مضافة تتجاوز قيمة المنتج الخام.

ولهذا فإن الاستحواذ على «ديوليو» قد يمنح المالك الجديد نفوذا واسعا في سوق دولية شديدة التنافس، خصوصا مع شهرة علامات المجموعة وانتشارها خارج إسبانيا.

أرقام تعيد «ديوليو» إلى الواجهة

وتأتي المنافسة الحالية بعدما بدأت الشركة تظهر مؤشرات على تحسن وضعها المالي عقب سنوات من التقلبات وأزمة الديون.

وخلال عام 2025، حققت «ديوليو» أرباحا تشغيلية تقارب 50 مليون يورو، بزيادة تقارب النصف مقارنة بالعام السابق، فيما بلغ صافي أرباحها نحو 20 مليون يورو.

كما شهد سهم الشركة ارتفاعا خلال الأسبوع الأخير، ليغلق يوم الجمعة عند حوالي 0.466 يورو، في ظل اهتمام متزايد بمصير عملية الاستحواذ.

ولم تكن «ديكوب» و«كوريشيلي» وحدهما في السباق، إذ ظهرت خلال مراحل الصفقة أسماء أخرى، بينها مجموعتا «بونيفيكي فيراريزي» و«نيو برينس» الإيطاليتان، ومجموعة «ليزيو» الفرنسية التابعة لـ«أفريل»، إلى جانب الشركة الأسترالية «كوبراي إستيت أوليف».

من يملك مفاتيح «الذهب السائل»؟

ومع وصول العرض الإيطالي إلى 500 مليون يورو، أصبحت «ديوليو» أكثر من مجرد شركة تبحث عن مستثمر جديد. إنها نقطة تقاطع بين رأس المال والعلامة التجارية والنفوذ الصناعي.

إيطاليا تملك ورقة السعر، وإسبانيا تملك ورقة الارتباط الاستراتيجي بالقطاع، فيما يبقى القرار النهائي رهينا بمسار المفاوضات ومواقف المساهمين والسلطات الإسبانية.

وفي حال انتقال الشركة إلى ملكية إيطالية، ستواجه مدريد مفارقة اقتصادية لافتة: بلد يتصدر إنتاج زيت الزيتون عالميا، لكنه قد يفقد السيطرة على واحدة من أبرز الشركات التي تحمل العلامات الإسبانية إلى المستهلكين في عشرات الأسواق.

لهذا تبدو معركة «ديوليو» أكبر من صفقة استحواذ عادية. إنها مواجهة على من يملك العلامة، ومن يتحكم في الأسواق، ومن يحصد القيمة الأكبر من «الذهب السائل» بعد خروجه من الحقول.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة