حكومة المنصوري تبدأ من حيث انتهت سابقتها.. فأين التغيير الموعود؟

هيئة التحريرمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
حكومة المنصوري تبدأ من حيث انتهت سابقتها.. فأين التغيير الموعود؟

الداخلة | الساحل بريس

ليست العبرة في أن تتغير الوجوه في مكاتب القرار، ولا في أن تُرفع شعارات جديدة من على منصة البرلمان، بل في أن يشعر المواطن بأن شيئا ما تغير فعلا في حياته. من هذه الزاوية تحديدا، تبدو أولى ملامح البرنامج الحكومي الذي قدمته فاطمة الزهراء المنصوري، بعد زوال اليوم الاثنين، أقرب إلى استمرارية محسوبة منها إلى تحول جذري كان منتظرا من حكومة رفعت عنوان «تغيير المسار».

في جلسة عمومية مشتركة بين مجلسي النواب والمستشارين، عرضت رئيسة الحكومة الخطوط العريضة لبرنامج الأغلبية الجديدة، وسط ترقب سياسي وشعبي لمعرفة ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستؤسس لاختيارات مختلفة في التدبير وترتيب الأولويات، أم أنها ستكتفي بمواصلة الأوراش التي أطلقتها الحكومة السابقة، مع إعادة تقديمها تحت عناوين جديدة.

ما ظهر حتى الآن يميل إلى الاحتمال الثاني. فالبرنامج يستند إلى مرجعيات سبق أن وجهت السياسات العمومية خلال الولاية الماضية، وفي مقدمتها النموذج التنموي الجديد وطموح «مغرب 2035»، كما يتعهد بمواصلة إصلاح قطاعات الصحة والتعليم، وتثبيت مكتسبات الحماية الاجتماعية، والاستمرار في مشاريع الاستثمار والسكن والماء والطاقة والبنيات الأساسية.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الاستمرارية خيار خاطئ؛ فالدول لا تبدأ من الصفر مع كل حكومة جديدة، والمشاريع الاستراتيجية لا ينبغي أن تصبح رهينة لتغير التحالفات والأغلبية. لكن الحفاظ على المكتسبات شيء، والاكتفاء بإعادة تدوير الاختيارات نفسها شيء آخر. وبين الأمرين يكمن السؤال الحقيقي: ما الذي ستغيره حكومة المنصوري، تحديدا، في طريقة التدبير، وفي ترتيب الأولويات، وفي النتائج التي ينتظرها المواطن؟

ذلك أن الحديث عن «تغيير المسار» لا يُقاس بعدد المرات التي يرد فيها الشعار في الخطاب السياسي، وإنما بمدى انعكاسه على القرارات والميزانيات والبرامج الزمنية، ثم على حياة الناس. فإذا ظلت المرجعيات ذاتها، والأوراش ذاتها، والأهداف العامة ذاتها، فإن الحكومة الجديدة مطالبة بتوضيح أين يبدأ الاختلاف، وكيف سيتحول من وعد انتخابي إلى ممارسة قابلة للتقييم والمحاسبة.

وتزداد هذه المساءلة إلحاحا حين يتعلق الأمر بالوعود التي صنعت جزءا مهما من الرصيد الانتخابي للأغلبية، وفي مقدمتها إحداث مليون منصب شغل صاف على الأقل خلال الولاية الحكومية. فهذا التعهد لم يكن تفصيلا عابرا في الخطاب الانتخابي، بل كان جوابا سياسيا عن واحدة من أكثر القضايا إلحاحا في المجتمع المغربي، حيث يظل العمل مدخلا للاستقرار الاجتماعي، وضمانة للاستقلال الاقتصادي، ومقياسا أساسيا لمدى نجاعة السياسات العمومية.

غير أن هذا الوعد لم يظهر، في الخطوط المعروضة من البرنامج، بالوضوح نفسه الذي احتل به واجهة الخطاب الانتخابي. وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد غياب رقم عن وثيقة حكومية، بل بضرورة معرفة الكيفية التي ستترجم بها الحكومة التزاماتها إلى فرص عمل فعلية، والقطاعات التي ستقود هذا المسار، والآجال التي ستلتزم بها، والمؤشرات التي ستتيح للمواطنين متابعة النتائج.

والأمر ذاته ينسحب على القدرة الشرائية، وخفض الضريبة على الأجور، وإعادة أسعار المواد الأساسية إلى مستوياتها الطبيعية، وتعزيز الأمن الاستراتيجي للمملكة في مجالات الطاقة والماء والغذاء. إنها أهداف تمس تفاصيل الحياة اليومية للمغاربة، لكنها تحتاج إلى أكثر من إعلان النوايا؛ تحتاج إلى إجراءات محددة، وكلفة مالية واضحة، وجدول زمني واقعي، ومؤشرات تسمح بالتمييز بين ما تحقق وما ظل حبيس الخطاب.

فالمواطن الذي ينتظر فرصة عمل لا تكفيه الإشارة إلى النموذج التنموي، والأسرة التي تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة لا تجد في العناوين العامة جوابا عن سؤالها اليومي: متى ستتحسن قدرتها الشرائية؟ كما أن المرتفق الذي ينتظر خدمة صحية أو تعليمية أفضل لا يعنيه فقط استمرار الإصلاح، بقدر ما تعنيه نتائجه الملموسة ومدى وصولها إليه.

من هنا، لا يكمن التحدي أمام حكومة المنصوري في إثبات قدرتها على مواصلة المشاريع القائمة فحسب، بل في إقناع الرأي العام بأن هذه الاستمرارية ستفضي إلى نتائج مختلفة، وأن ما تعذر تحقيقه في المرحلة السابقة سيحظى بمعالجة أكثر نجاعة، وأن الوعود الانتخابية لن تتراجع إلى الهامش بمجرد انتهاء موسم التنافس السياسي.

وبين من يرى في مواصلة الأوراش الكبرى ضرورة تفرضها طبيعة التنمية طويلة الأمد، ومن ينتظر تحولا واضحا في الاختيارات وآليات التنفيذ، تجد الحكومة نفسها أمام امتحان مزدوج: ضمان الاستمرارية حيث تكون ضرورية، وإحداث التغيير حيث أصبح مطلبا ملحا.

في النهاية، لن يكون الحكم على برنامج حكومة المنصوري رهينا بجمال عباراته أو اتساع قائمة أوراشه، بل بما ستكشف عنه المرحلة المقبلة من قرارات وإجراءات ونتائج. فهل يتعلق الأمر بتغيير فعلي في المسار، أم باستمرارية اختارت أن ترتدي لغة جديدة؟ الجواب لن تمنحه منصة البرلمان وحدها، بل ستكتبه الأرقام في سوق الشغل، والأسعار في الأسواق، وجودة الخدمات في المستشفيات والمدارس، وما سيشعر به المواطن في حياته اليومية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة