في المدرسة العمومية المغربية، ثمة أسئلة لا تحتاج إلى لجان طويلة كي تُطرح، لكنها تحتاج إلى إرادة حقيقية كي تجد طريقها إلى الجواب. أسئلة تبدأ من القسم، حيث يقف أستاذ التعليم الابتدائي في مواجهة ثلاثين ساعة من العمل الأسبوعي، وتمتد إلى ما وراء السبورة، حيث تتراكم الأعباء الإدارية والتربوية، وتظل بعض المطالب المهنية والمالية معلقة بين الوعود وانتظار الإنصاف.
ومع تولي نبيل بن عبد الله حقيبة التعليم في الحكومة الجديدة، يعود السؤال إلى الواجهة: هل يجد رجل التعليم الابتدائي، الذي طالما شعر بأن صوته لا يصل بالقدر الكافي إلى مراكز القرار، فرصة لاستعادة ما افتقده خلال الحكومات السابقة؟ أم أن الملفات التي أثقلت كاهله ستواصل الانتقال من ولاية حكومية إلى أخرى، دون حلول توازي حجم الانتظارات؟
المسألة ليست مجرد تغيير في الأسماء، بل اختبار لقدرة المسؤول الجديد على الإنصات إلى التفاصيل التي تصنع يوم الأستاذ داخل المدرسة، وتحويل المطالب المتراكمة إلى إجراءات ملموسة تتجاوز حدود التصريحات والوعود.
في صدارة هذه التفاصيل، يبرز مطلب تخفيف الأعباء الإدارية والتربوية التي تتجاوز المهام الأساسية للتدريس، خصوصا ما يرتبط بالحراسة وتدبير الإطعام المدرسي. وهي مسؤوليات تطرح سؤالا جوهريا حول الحدود الفاصلة بين واجب الأستاذ في أداء رسالته التربوية، وبين تكليفه بأدوار إضافية قد تستنزف جهده ووقته على حساب التحضير للدروس ومواكبة المتعلمين.
ثم تأتي التعويضات المالية، وفي مقدمتها مطلب التعويض التكميلي، إلى جانب مطالب سابقة بصرف تعويضات من بينها مبلغ 500 درهم، ظلت موضوع انتظار لدى فئات من نساء ورجال التعليم. وهنا لا يتعلق الأمر بأرقام معزولة عن واقع المعيشة، بل بإحساس مهني يتشكل حين يرى الأستاذ أن ما يبذله من جهد لا ينعكس بالضرورة على وضعه المادي والاعتباري.
أما ساعات العمل، فتظل واحدة من أكثر النقاط إثارة للنقاش. فأساتذة التعليم الابتدائي يشتغلون، وفق المعطيات المتداولة في هذا الملف، ثلاثين ساعة أسبوعيا، وهو ما يعيد إلى الواجهة مطلب تقليص ساعات العمل وتفعيل الوعود السابقة بشأن إحداث لجنة لدراسة هذا الموضوع. والسؤال الذي ينتظر جوابا واضحا هو: هل تتحول هذه الوعود إلى مسار زمني محدد، أم تظل رهينة اجتماعات تنتهي بمحاضر لا تغير كثيرا من واقع القسم؟
لكن الإنصاف لا يكتمل بالتعويضات وحدها، ولا بتقليص ساعات العمل فحسب. إنه يبدأ أيضا من الاعتراف بمكانة التعليم الابتدائي داخل المنظومة التربوية؛ فهذا السلك ليس مجرد مرحلة أولى في المسار الدراسي، بل هو الأرض التي تتشكل فوقها علاقة الطفل بالمعرفة، وتتأسس فيها مهاراته الأولى، وتُبنى عليها فرص نجاحه في المراحل اللاحقة.
وإذا كانت المدرسة العمومية مطالبة بتربية الأجيال على الانضباط والجدية واحترام العمل، فإنها مطالبة، قبل ذلك، بتوفير الظروف التي تجعل هذه القيم ممارسة يومية، لا شعارات معلقة على جدران المؤسسات.
ومن هنا يبرز نقاش آخر، قد يبدو في ظاهره مرتبطا بالهندام، لكنه يتصل في عمقه بصورة المدرسة ورمزية الأستاذ داخلها: هل يمكن أن تتحول الوزرة البيضاء إلى موضوع مراجعة، مع الإبقاء عليها بالنسبة إلى الأستاذات، مقابل اعتماد البذلة وربطة العنق بالنسبة إلى الأساتذة الرجال، في تصور يرمي إلى تعزيز الحضور المهني للأستاذ وترسيخ صورة القدوة أمام المتعلمين؟
إن الفكرة تستند إلى اعتبار أن الطفل لا يتعلم مما يُقال له فقط، بل يلتقط أيضا ما يراه أمامه؛ من طريقة الكلام إلى السلوك، ومن احترام الوقت إلى العناية بالمظهر. غير أن الهندام، مهما كانت رمزيته، لا ينبغي أن يتحول إلى معيار للحكم على كفاءة الأستاذ أو احترامه، ولا إلى تكليف جديد يُفرض دون تشاور أو مراعاة لاختلاف الظروف المهنية والمادية. فالمظهر المهني قد يعزز صورة المؤسسة، لكن جوهر القدوة يظل في المعرفة والسلوك والعدل والقدرة على التأثير الإيجابي في المتعلم.
ثم إن الحديث عن البذلة وربطة العنق لا ينبغي أن يحجب السؤال الأكبر: أي صورة نريدها للمدرسة العمومية المغربية؟ مدرسة تكتفي بتغيير مظهر الأستاذ، أم مدرسة تبدأ بإنصافه، وتحمي كرامته، وتمنحه الوسائل التي يحتاج إليها لأداء رسالته؟
فالوزرة ليست هي المشكلة في حد ذاتها، كما أن البذلة ليست حلا سحريا. المشكلة تبدأ حين يصبح الأستاذ مطالبا بتجسيد صورة مثالية أمام التلاميذ، بينما يظل هو نفسه ينتظر معالجة ملفات مهنية ومالية وإدارية تمس يومه العادي واستقراره النفسي والاجتماعي.
وبالنسبة إلى نبيل بن عبد الله، فإن الرهان لا يتعلق بمجرد تدبير قطاع واسع ومعقد، بل بمدى وضوح الأولويات التي ستُعتمد لمعالجة هذه المطالب، والقدرة على التمييز بين ما يمكن حسمه بسرعة وما يحتاج إلى حوار مؤسساتي وإصلاح أعمق. فالثقة لا تُستعاد بالتصريحات وحدها، بل بقرارات ملموسة يشعر بها الأستاذ داخل القسم، قبل أن يسمع عنها في البلاغات الرسمية.
في نهاية المطاف، لا يسأل أستاذ التعليم الابتدائي عن لون الوزرة أو شكل ربطة العنق بقدر ما يسأل عن مكانته، وعن قيمة الوقت الذي يخصصه لتلاميذه، وعن حقه في ظروف عمل منصفة، وعن مصير الوعود التي طال انتظارها.
وربما يكون السؤال الأبلغ الذي ينبغي أن يرافق المرحلة الجديدة هو: هل نريد أستاذا يبدو قدوة أمام التلاميذ، أم أستاذا يعيش بكرامة تجعله قدوة بالفعل؟
ذلك أن المدرسة التي تريد أن تُعلّم أبناءها احترام الإنسان، لا يكفيها أن تختار لأستاذها هنداما أنيقا؛ بل عليها أن تمنحه أولا ما يستحقه من إنصاف وتقدير.













