الساحل بريس/ بقلم : أحمد العهدي
ليس موسم طانطان «الموكار» مجرد موعد احتفالي تتعانق فيه أهازيج التراث الحساني، وتستعيد فيه الذاكرة الصحراوية صور الماضي وأمجاده، بل هو تظاهرة ثقافية وحضارية ذات إشعاع وطني ودولي، تختزل غنى الموروث الصحراوي المغربي، وتفتح آفاقاً واسعة للتعريف بالهوية الثقافية للمنطقة ومؤهلاتها السياحية والاقتصادية.
ففي رحاب هذا الموعد السنوي، تتحول مدينة طانطان إلى فضاء نابض بالحياة، تستقبل الوفود والزوار والمهتمين بالثقافة والتراث من مختلف أنحاء المملكة وخارجها، حيث تلتقي الخيام التقليدية، وسباقات الإبل، والفنون الشعبية، والشعر الحساني، والصناعات التقليدية، في لوحة تراثية تعكس أصالة الإنسان الصحراوي وعمق ارتباطه بأرضه وتاريخه وقيمه الاجتماعية.
ولعل القيمة الحضارية لهذا الموسم تتجاوز حدود الفرجة والاحتفاء بالموروث، بالنظر إلى مكانته ضمن الذاكرة الثقافية الصحراوية، وإلى الاعتراف الدولي الذي حظي به الفضاء الثقافي لساحة «الموكار»، باعتباره تعبيراً عن تقاليد الرحل ومظاهر الحياة الصحراوية، وهو ما يمنح التظاهرة مسؤولية إضافية في صيانة هذا التراث وتثمينه ونقله إلى الأجيال الصاعدة.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه، ونحن نتحدث عن هذه التظاهرة ذات الإشعاع الواسع، هو: ماذا تجني مدينة طانطان وساكنتها من موسم الموكار؟ وإلى أي حد تتحول هذه التعبئة الثقافية والتنظيمية إلى مكاسب اقتصادية واجتماعية وتنموية ملموسة؟
لا شك أن الموسم يساهم في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي، من خلال تنشيط الحركة التجارية، وانتعاش قطاعات الإيواء والإطعام والنقل والخدمات، فضلاً عن إتاحة فرص موسمية للشغل، وفتح المجال أمام الصناع التقليديين والتعاونيات والمنتجين المحليين لتسويق منتجاتهم والتعريف بإبداعاتهم.
كما يشكل فرصة لتسليط الضوء على المؤهلات السياحية التي تزخر بها المنطقة، بما فيها امتدادها الصحراوي وموقعها الأطلسي، وما تختزنه من مقومات طبيعية وثقافية يمكن أن تجعل منها وجهة سياحية تستقطب الزوار على مدار السنة، وليس خلال أيام الموسم وحدها.
وعلى المستوى الثقافي، يظل الموكار فضاءً لصيانة الذاكرة الجماعية، وإبراز خصوصيات الثقافة الحسانية، بما تتضمنه من شعر وأمثال وحكايات وأزياء وفنون وأعراف اجتماعية، فضلاً عن ترسيخ قيم الكرم والتضامن والتعايش التي شكلت عبر التاريخ إحدى ركائز المجتمع الصحراوي.
لكن، وبعيداً عن أجواء الاحتفال، تظل التنمية المحلية هي الامتحان الحقيقي لنجاعة هذه التظاهرة واستدامة أثرها. فليس المطلوب أن تنتهي المكاسب بانتهاء الفعاليات، أو أن تظل الحركة الاقتصادية رهينة أيام محدودة من السنة، وإنما أن تتحول هذه المناسبة إلى رافعة مستمرة للاستثمار والتشغيل والتسويق السياحي والثقافي.
ومن هنا تبرز ضرورة التفكير في آليات عملية تضمن استفادة أوسع لساكنة الإقليم، عبر تمكين الشباب والنساء والتعاونيات والجمعيات المحلية من فرص المشاركة والإنتاج، وتشجيع الاستثمار في البنيات السياحية والخدماتية، وتطوير الفضاءات الحضرية، وتحسين جودة الاستقبال والنقل والإيواء، فضلاً عن إرساء شراكات اقتصادية وثقافية قادرة على استثمار الإشعاع الدولي للموسم.
كما أن من الضروري اعتماد مقاربة للتقييم وقياس الأثر، تتجاوز عدد الوفود والزوار والأنشطة المنظمة، لتشمل حجم الرواج التجاري، وفرص الشغل المحدثة، ومداخيل الفاعلين المحليين، ونسبة استفادة المقاولات الصغيرة والتعاونيات، ومدى انعكاس هذه المكتسبات على الحياة اليومية للمواطنين.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في تنظيم موسم ناجح فحسب، بل في بناء نموذج تنموي يجعل من التراث مورداً اقتصادياً، ومن الثقافة جسراً للاستثمار، ومن السياحة وسيلة لخلق الثروة وفرص الشغل.
ولعل مدينة طانطان، بما تختزنه من مؤهلات تاريخية ومجالية وثقافية، تستحق أن يكون موسمها أكثر من تظاهرة عابرة؛ يستحق أن يتحول إلى مشروع تنموي متكامل، تتضافر فيه جهود المؤسسات المنتخبة والسلطات المحلية والقطاعات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، من أجل جعل الموكار رافعة حقيقية للتنمية المستدامة.
فالموسم الذي يستحضر ذاكرة الأجداد ينبغي أن يصنع آفاق الأحفاد، والتظاهرة التي تنجح في استقطاب العالم إلى طانطان ينبغي أن تنجح أيضاً في جعل التنمية تصل إلى كل أحيائها وساكنتها.
إن إشعاع الموكار قيمة وطنية وإنسانية، لكن قيمته الأعمق تظل في ما يتركه من أثر بعد انفضاض الخيام، وانتهاء الاحتفالات، وعودة الزوار إلى ديارهم.
فهل نجعل من موسم الموكار موعداً سنوياً للاحتفاء بالتراث فقط، أم نجعله موعداً متجدداً لصناعة التنمية وبناء مستقبل مدينة طانطان؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضراً في كل دورة، حتى تظل طانطان وفية لذاكرتها، ومنفتحة على المستقبل، وحتى يصبح الموكار عنواناً لإشعاع التراث وازدهار الإنسان والمجال.
صحيح،حتى لانبخس قيمة المبادرة، التظاهرة هامة وفوائدها جمة،فقط لأنها كذلك نتمنى الارتقاء بها للنمو بموشرات التنمية البشرية وتحية تقدير واشادة للقائمين عليها.












